عمان لا تعبأ بمنغصات السياسة وعبث التصريحات

30 مايو 2026
30 مايو 2026

عندما نعود إلى تاريخ العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية وسلطنة عُمان نجد أنها علاقات قديمة جدا؛ ففي عام 1790، وصلت السفينة الأمريكية «بوسطن رامبلر» إلى مسقط؛ لتعلن بداية ولادة العلاقات العُمانية الأمريكية. 

وفي 21 سبتمبر 1833م، وُقعت معاهدة بين السيد سعيد بن سلطان والمبعوث الأمريكي «إدموند روبرتز»، وتعتبر هذه الاتفاقية أول معاهدة اتفاق تجاري توقعه الولايات المتحدة مع دولة عربية، وفي عام 1840، وصل أول مبعوث عربي -من قبل السيد سعيد بن سلطان ممثلا في مبعوثه أحمد بن النعمان الكعبي- إلى الولايات المتحدة الأمريكية عبر السفينة «سلطانة»، وفي عام 1885 افتُتحت أول قنصلية أمريكية في عُمان وتعيين أول قنصل أمريكي في مسقط. وفي زمننا الحاضر، تُترجم هذه العلاقات وتتسع في صورها الجديدة؛ فساهمت سلطنة عُمان في غير مرة بأن تكون وسيطا للإفراج عن رهائن أمريكيين في مناطق صراع بالشرق الأوسط وفق رغبة أمريكية وطلبهم الرسمي. 

ترجع بنا هذه الأحداث والوثائق والشواهد التاريخية والحالية إلى حقيقة تؤكد أن العلاقات بين الدولتين تمتلك جذورا تاريخية أعمق من التصريحات السياسية غير المحسوبة، ونقول ذلك إثر التصريح -بصفته تهديدا- الذي أطلقه الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» بحق سلطنة عُمان، وكلنا -والعالم- يدرك بأن ذلك خطأ استراتيجي وقع فيه «ترامب» كما هي عادته المعروفة التي يخرج فيها -أحيانا كثيرة- عن مساره الدبلوماسي. 

إذ لا يختلف اثنان على أن لترامب تصريحات كثيرة مماثلة -سواء أكانت على سبيل التهديد أم السخرية- بحق دول تعدّها الولايات المتحدة الأمريكية حليفة وصديقة مثل فرنسا وبريطانيا ودول خليجية، والتي لا تعكس -بالضرورة- وجهة النظر الأمريكية الصميمة؛ فلا يمكن أن نقول إن هذه التصريحات تعكس الإرادة الأمريكية بأكملها تجاه حلفائها في المنطقة، ولا يمكن كذلك أن نقول إن ذلك يمكن أن يقود إلى توتر بين الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة. 

يظل الرئيس الأمريكي مرحلة سياسية أمريكية ثقيلة، ولكنها سلطة مؤقتة؛ تدخل وتغادر وفق منهج الانتخابات، بينما تبقى لدى الولايات المتحدة الأمريكية الكثير من الروابط السياسية والدبلوماسية والمعاهدات التي تربطها بهذه الدول، ومنها سلطنة عُمان، ولا يمكن أن تتفكك بمجرد خروج تصريحات غير واقعية تتزامن مع مجموعة من الأزمات التي تورطت فيها أمريكا في المنطقة، وأهمها حرب إيران؛ إذ يرى العالَمُ، ومن بينهم بعض من كانوا في إدارة ترامب -بعضهم خرجوا منها- بأن الإدارة الأمريكية دخلت في حرب غير محسوبة وغير مخطط لها، وأنها حرب خاسرة تشهد أمريكا فيها خسائر فادحة، ولا تمثّل الأهداف الأمريكية. 

كذلك نجد أن ترامب يناقض كثيرا من طموحاته السياسية السابقة التي تحدث فيها عن كونه رجل سلام، وأنه يبحث عن موقع أمريكي جديد في العالم يكون عنوانه السلام، ولكنه يغيّر كل أقواله وطروحاته، ويتبين بأنه يتحرك وفق مسار غامض متقلّب دون أي مبالاة للمصالح الأمريكية ومستقبلها. 

لهذا، عندما تخرج مثل هذه التصريحات غير الواعية، فإنها توحي بأن «ترامب» يضحّي بأهم أوراقه في منطقة الشرق الأوسط، وأنه -بتصرفاته غير المحسوبة- يحاول إحراق هذه الورقة المهمة، خصوصا أن أبرز ما تشعر الولايات المتحدة الأمريكية اليوم بالضغط تجاهه هو الحفاظ على مستويات الصراع في الشرق الأوسط ضمن حدود معيّنة، ومنع اتساع دائرته بما يضر بمصالحها، وأثبتت عُمان -وعبر التجارب- أنها وسيط موثوق ودولة مسالمة، لم تدخل في حروب عبثية، ولم تعادِ أحدا، وتبذل قصارى جهودها لتحقيق الأمن والسلام في المنطقة، وحماية مصالحها الاقتصادية والجغرافية والسيادية، وتبذل قصارى جهدها لإبعاد شبح الحرب عن المنطقة. 

وإن كان الأمر يعود - كما جاء في تصريح ترامب - إلى مضيق هرمز، والمقترح المتداول إعلاميا بأن تكون عُمان شريكا في إدارة هذا المضيق مع إيران؛ فإننا -قبل كل شيء- لم نلمس ونسمع من سلطنة عمان أي بيان أو تأكيد فيما يتعلق بهذه الشراكة، ولكن إن صحت أخبارها؛ فإنها - في نظري- أقرب إلى رغبات خارجية أكثر من كونه رغبة عُمانية نظرا للمصالح التي يمكن أن تُجنى من ذلك؛ إذ إن الخيار الذي كان مطروحا سابقا من قبل إيران يتمثل في مطالبتها بالسيطرة المطلقة على المضيق، وهو ما كان يثير قلق دول أخرى في المنطقة، وكذلك دول أوروبية نظرا لتوتر العلاقات مع إيران واحتمالية عودة التوتر مستقبلا، وبالتالي العودة مرة أخرى إلى المناكفات والصراع في المضيق وتعطيل الحركة التجارية والمائية بعمومها. 

أما على فرضية أن تكون عُمان طرفا ثانيا - بموجب اتفاقيات بين عُمان وإيران - فإن ذلك سيسمح لكثير من الدول التي تعتبر عُمان صديقة وحليفة ودولة محايدة بتحقيق قدر من المرونة في حركة المضيق نظرا لوجود شريك معتدل قادر على إدارة الحوار واللجوء إليه مع أي ظرف أو صراع ينشب. 

لذلك، فإن كل ما نحتاجه في هذه المسألة هو ألا تُرخي مثل هذه التصريحات عزيمتنا في الصدع بالحق ومواصلة مسارات السلام، وكذلك ألا تُضعف علاقاتنا الخارجية؛ فكما ذكرنا في بداية المقال، فإن جذور العلاقات العُمانية الأمريكية أعمق وأرسخ من أن تتفكك بسبب تصريحات غير محسوبة تصدر عن ترامب أو غيره، وأتصور أن كثيرين داخل إدارته لا يؤيدون مثل هذه التصريحات، ولا أستبعد أن تظهر أصوات أمريكية رسمية كبيرة -على غرار استهجان الإعلام الأمريكي- تستنكر مثل هذه التصريحات العبثية التي تضر بعلاقات الولايات المتحدة الأمريكية -قبل أي أحد- مع جميع دول منطقة الشرق الأوسط التي تكنّ لسلطنة عُمان الود والاحترام. 

فإدارة الولايات المتحدة الأمريكية، مهما كانت تملك من حضور دبلوماسي وسياسي وعسكري واسع، تدرك أهمية أن تبقى عُمان دولة محايدة بعيدة عن الصراع، وقادرة على أن تكون جسرا لتحريك المياه الراكدة، وأن تعمل - إلى جانب دول أخرى مثل باكستان - على دفع مسارات السلام. 

كذلك تدرك الإدارة الأمريكية أنه لا مفر من إيقاف الحرب مع إيران نظرا لعدم شرعيتها وعدم وضوح أهدافها، وأن ذلك لا يمكن أن يتحقق دون وجود دولة محايدة تمتلك قدرة الحوار مع الطرفين الأمريكي والإيراني، فضلا عن الموقع الجغرافي العُماني الذي أثبت أنه يمثل حلا مهما في ظل الضغوط المتزايدة على الممرات المائية التجارية البحرية؛ إذ باتت عُمان ملجأ مهما، وبديلا استراتيجيا لهذه الممرات، وتعتمد عليه كثير من دول المنطقة في العمليات التجارية واللوجستية على عمومها. 

وتشهد على ذلك الزيارات الدبلوماسية الرسمية -ومنها الزيارات ذات الطابع العسكري- التي قامت بها دول عديدة من بينها دول أوروبية مهمة، والتي أكدت بوضوح أن عُمان دولة حليفة ذات أهمية كبيرة، وأن دورها الاقتصادي والسياسي والدبلوماسي يجب أن يبقى مفتوحا ومحافظا عليه. 

منذ فجر الخميس، وعقب هذه التصريحات التي أساءت إلى سلطنة عُمان، جاءت ردود فعل غاضبة ومستنكرة من معظم دول العالم، ومن شعوبها وحكوماتها بما فيها من الداخل الأمريكي. 

لكن عُمان بقيت هادئة محافظة على نبرتها الدبلوماسية التي تعكس الوعي السياسي وامتد هذا السلوك إلى المستوى الشعبي؛ لأنها تدرك أن هذه التصريحات لا تعكس إلا رأيا فرديا -تغلب عليه النبرة العاطفية التي اعتاد عليها العالم- أُطلقَ في حوار إعلامي، وإن كان صادرا عن رجل مهم يُشكّل هرم السلطة الأمريكية. 

هذا ما يمكن أن يفسّر الهدوء العُماني الرسمي وحكمته في التفاعل مع مثل هذه القضايا السياسية التي تعكس الثقة في إدارة المواقف، وكنت في حوار سريع صباح يوم الخميس مع عدد من الأصدقاء الذين تفاعلوا مع هذه التصريحات وشاركوني آراءهم وامتعاضهم، وقلت لبعضهم: بصفتي عُمانيا، لست قلقا من هذه التصريحات، ولا أرى أنها بحاجة إلى تعاط مفرط معها لأسباب كثيرة، أولها أنها منفصلة عن الواقع، وأن الإدارة الأمريكية بأكملها تدرك أهمية الورقة العُمانية وقوتها، وتدرك جيدا ضرورة المحافظة على العلاقات مع سلطنة عُمان ومع جميع دول المنطقة وأهمها الدول الخليجية المرتبطة بجميع جذورها ومصالحها مع سلطنة عُمان. هذا أيضا ما تدركه دول كبرى -بجانب دول الخليج- حليفة لسلطنة عُمان، مثل المملكة المتحدة، وفرنسا، والصين، وروسيا. حفظ الله وطننا عُمان -قيادة وشعبا ومقدرات- وأدام عليه نعمة الأمن والأمان. 

د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني