في المذكرات والسير الذاتية
14 يوليو 2026
14 يوليو 2026
كلما رأيتُ كتاب «مذكرات أميرة عربية» الكتاب الأوسع انتشارًا في السير الذاتية والمذكرات، أتساءل مع نفسي لماذا تغيب لدينا مثل هذه الكتابات؟ إذ رغم ذلك البناء التأسيسي لا تزال كتابة المذكرات والسير الذاتية قليلة جدا، إن لم تكن منعدمة تمامًا، في الوقت الذي تطورت فيه أجناس الكتابة السردية في الساحة العُمانية كالرواية والشعر والقصة، والكتابات الأخرى.
كتبت الأميرة سالمة بنت سعيد بن سلطان (إميلي روث) عام 1866م تلك المذكرات في لحظة انكسار، فحفظت بها ذاكرة الوطن والأشخاص والأماكن، وأرادت أن توثق سيرتها ومعاناتها، فكتبت سيرة لمدينة زنجبار وللسلاطين ولحياة الناس والمجتمع.
ترتبط الذاكرة الجمعية بالذاكرة الشخصية، ومن يتحدث عن الذاكرة الجمعية، فلا بد من يتحدث عن نفسه في زمن معين، وأن يتطرق لذلك من خلال الذاكرة الجمعية والمحيط الذي يعيش فيه والناس والمجتمع.
وهكذا هي كتابة المذكرات والسير الذاتية تتحول من عمل فردي وشخصي إلى ذاكرة جمعية للوطن والمجتمع.
إنّ اجترار الذاكرة ليس بالعمل السهل. ويوصف من يكتب مذكراته كمن يسلط الضوء على جانب من حياته، أو كمن يحفر ثقبا في جدار حياته، ويسمح للآخرين بالتلصص عليه.
ترتبط كتابة المذكرات بالأشياء المستورة والمخفية في سيرة بعض الأشخاص. ورغم أن الكاتب هو من يتحكم فيما يكتبه، وفيما يريد أن يقوله، وأن يخفي ما يريد، وقد يكون بعيدا في بعض الحالات عن الصدق إلا أن ذلك لا يضعف من لهفة الناس المتصاعدة في البحث عن الحقيقة، ومعرفة ما يجري خلف الأبواب المغلقة، وخصوصا لمعرفة كيف تبنى القرارات المصيرية التي تمسّ الوطن، وتلك المتعلقة بحياتهم.
حديثًا تطورت وسائط التواصل والإعلام البديل الذي أخذ دورا في الكشف عن بعض الحقائق، إلا أن الأهمية القصوى تبقى لما يبوح به المسؤول السابق وما يكتبه من واقع الفاعل والشاهد والمؤثر.
صنع الإنسان العُماني تاريخًا مجيدًا، سواء القديم منه أو الحديث، تاريخا مليئا بالأحداث والمراحل المفصلية.. دول تعاقبت ورجال فاعلون صنعوا التاريخ وصنعهم.
فلو نظرنا إلى تاريخ الدول التي تعاقبت على عُمان، وإلى أولئك الرجال الذين لعبوا أدوارا في ذلك، لن نجد إلا تواريخ، وأرقاما، ووقائع، وأسماء؛ فالأحداث والمواقع العُمانية الكبرى كتاريخ تأسيس الدول والأئمة والسلاطين، والوجود العُماني في زنجبار ومؤامرة الانفصال، وما حدث في ظفار وفي الجبل الأخضر وفي مناطق أخرى، وصولا إلى النهضة المباركة التي قادها السلطان الراحل قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه ـ نجدها بلا شك مراحل مفصلية مهمة جدا في تاريخ البلاد، وهناك من صنعوا هذه المعادلات، ومنهم من كان له الدور الكبير في بناء هذه النهضة المباركة بكل تجلياتها.
وهي بلا شك فترة زاخرة؛ فهي مرحلة البناء الحقيقي للدولة الحديثة، صنعها رجال، رحل من رحل منهم، وأطال الله في أعمار الباقين؛ ولكن للأسف كل تلك المراحل والأحداث بقيت طي الكتمان، ولم يسلط الضوء عليها، وكل ما وصلنا منها هو النزر البسيط، ومن وجهة نظر واحدة، سواء الجهة التي كان لها اليد العليا في الأحداث، أو تلك التي قالها الآخر بدوافع هو يراها، بينما ظلت سرديات الفاعلين الحقيقيين طيّ الكتمان.
نقول بحسرة: كم هم الذين عاشوا ويعيشون بيننا، وفي دواخلهم الكثير مما يمكن قوله. كم هم الصامتون بيننا من سياسي، ومناضل سابق ومسؤول وشيخ قبيلة واقتصادي وغيرهم. ونتحسر على أولئك الذين رحلوا ولم يقولوا شيئا. وكم هم الذين سيرحلون وتطوى صحائفهم، دون أن يتركوا شيئا تقرأه الأجيال. إن كتابة المذكرات هي بمثابة الهوية الوطنية ورافد مهم من روافد الذاكرة الجمعية، ولا يعد ذلك ترفا، أو تزيدا كما يعتقد البعض، بل عملا يكتسي أهمية قصوى، وواجبا وطنيًا تكمن أهميته ليس في الكتابة وحدها، ولكن فيما تحمله من حقائق.
وهي ملك للناس، وملكية عامة، ومن حق الجميع الاطلاع عليها، ولا ينبغي على من شغل منصبًا رفيعًا مؤثرًا في تاريخ الوطن أن يحتفظ بالحقائق لنفسه إن كان فيها ما يمكن أن يشكل تجربة تستحق أن تروى.
وهي بمثابة آلية للحفاظ على تلك الذاكرة من الاندثار وشاهدة على الأحداث.
وتتجلى تلك الأهمية في إمكانية أن نتعرف على مناطق فكرية واستكشاف مناطق ومحطات تساعدنا على تطوير قدراتنا وفهم الأمور بشكل مختلف ومغاير، وإجلاء الغموض عن وقائع وأحداث وانتشالها من براثن النسيان، وفي القدرة على إعادة تشكيل الوعي؛ فهي مهمة أيضا للسارد أو الكاتب نفسه ليحفظ بها تاريخه ومجهوده وإنجازاته، لا ليأتي غيره ويتعمد تشويه ماضيه. وهي مهمة أيضا للأجيال وللوطن وللتاريخ، وتعتبر بمثابة التنوير والتوضيح، ومصدرا مهما لفهم طبيعة صنع القرارات وكشف الحقائق، وتبرير المواقف والسياسات أو تقديم اعترافات تاريخية، وتوثيق الأحداث.
وهي بمثابة شهادة على العصر، وتشكل مرجعًا للباحثين، ومادة يستفاد منها بشكل عام.
يكفي عندما نقرأ المذكرات تلك الأسئلة المربكة والدهشة التي تثيرها في عقولنا ونفوسنا والتي قد تغيّر مفاهيم، وتفتح مسارات ورؤى.
لكن يبقى السؤال: لماذا لا يكتب المسؤولون السابقون لدينا مذكراتهم، رغم أن المرحلة مناسبة ليكتب السياسيون والقادة والفاعلون مذكراتهم؟ هل يعود الأمر إلى غياب الوعي بأهمية مثل هذه الكتابات؟ أو غياب من يشجع على هذه النوعية من الكتابة أو أن الأمر يتعلق بالشعور بالإحراج؟ إن الأسباب كثيرة والعوائق متعددة؛ منها ما يتعلق بطبيعة المنصب والمسؤولية، ومنها عوامل نفسية كالغموض والانعزال التي توسم بعض الشخصيات، أو لأسباب تقنية بحتة، وهي عدم القدرة على الكتابة السردية، بسبب عدم الوعي لما هم يمثلونه أو لعدم وجود سوابق أو للخوف من الاقتراب من تلك المنطقة المليئة بالأسرار، أو إلى حساسية المعلومات وملامستها للأمن الوطني للدولة، ومن الأسرار التي لا ينبغي الاطلاع عليها.
إن الأسوأ في عدم كتابة المذكرات، وفي ظل غياب سردية حقيقية، هو أن تروى تلك الأحداث من قبل الآخرين، أو تبني سرديات بعيدًا عمن صنعها وشارك فيها، وبمرور الوقت تصبح هي الحقيقة.
والأخطر في الأمر عندما تكون تلك المرويات خارجية تمسّ الوطن، وتستهدف شخصيات لأهداف معينة، ولم يجد من يكذبها أو يأتي بالحقيقة؛ خصوصا ممن عايشوا وصنعوا تلك الأحداث، ويكون تأثيرها مضاعفا في زعزعة ثقة الأجيال، خصوصا أنهم لم يعيشوا تلك الأحداث.
إن ذلك كله لا يخفي بعض المحاولات رغم قلتها. وأذكر من بين القلائل الذين كتبوا سيرتهم، أو ما يشبه سيرته الذاتية هو الفريق أول الراحل سعيد بن راشد الكلباني وكتابه (جندي من مسكن... شهد الذاكرة) الذي صدر في جزأين. كذلك بتنا نرى بعض المسؤولين على منصات التواصل الاجتماعي والإعلام البديل كبرامج (البودكاست) التي تستضيف بعض المسؤولين والمؤثرين السابقين، ولكن ذلك كله لا يرقى إلى المستوى المأمول من هذا النوع من الكتابة.
بدر الشيدي كاتب عماني
