الشيخ حمد بن خليفة وتحولات بداية الألفية الثالثة في الخليج العربي
14 يوليو 2026
14 يوليو 2026
فارقنا صباح الأحد الماضي 12 يوليو 2026م أمير قطر السابق حمد بن خليفة آل ثاني عن عمر ناهز الرابعة والسبعين.
الشيخ حمد لم يكن حكمه لقطر حدثا عابرا كبعض الحكام الذين يميلون إلى الهدوء والاكتفاء بما هو موجود، مع تحديثات بسيطة بين حين وآخر؛ بل أحدث نقلة تحديثية في قطر جعلها مركزا ثقافيا وبحثيا واقتصاديا ورياضيا عالميا، وفي فترة بسيطة جدا إذ حكم منذ 27 يونيو 1995م وحتى 25 يونيو 2013م، أي حوالي ثمانية عشر عاما فقط.
منذ 1979م وحتى 1995م مرت منطقة الخليج بتحولات ثلاثة كبرى، الصحوة الإسلامية، والثورة الخمينية، والجهاد الأفغاني.
قبل ذلك كانت منطقة الخليج قد تأثرت بالحركات القومية واليسارية، وإن كان المد اليساري أقل حضورا في قطر مقارنة بجارتها البحرين وكذلك الكويت مثلا، إلا أن المد القومي والناصري كان بارزا بشكل كبير عن طريق النوادي والملتقيات، ومن أهم رموزهم حمد بن علي العطية (ت: 1996م)، وعبدالله المسند، وعلي خليفة الكواري، وغيرهم، كما ارتبط بقطر عبدالرحمن الباكر (ت: 1971م)، وهو وإن كان بحرينيا إلا أنه ارتبط بقطر من خلال أصول عائلته العائدة إلى منطقة الزبارة، وإقامته برهة من الزمن في قطر وتأسيسه شركة المقاولات القطرية. كذلك حسين حيدر درويش (ت: 1999م)، وهو وإن كان عماني الجنسية إلا أنه ارتبط أيضا بقطر ومارس فيها تجارة بيع المكيفات والثلاجات، وكان صديقا للباكر، وارتبط بقطر ورموزها القومية وبعض شيوخها.
الحركة القومية في قطر كانت بين مد وجزر بسبب بعض المطالبات الإصلاحية في الجوانب السياسية والتعاقدية والإصلاحية والتي لا تتقبل غالبا في المشيخات والأسر الحاكمة في الخليج بشكل عام، إلا أنها كنزعة عامة ظاهرة في شيوخ قطر حتى يومنا هذا.
التأثير الآخر في قطر هو هجرة رموز الإخوان المسلمين إليها نتيجة التضييق عليهم في مصر، وعلى رأس هؤلاء يوسف القرضاوي (ت: 2022م)، فقد وصل إليها مبكرا في 1961م، وأحدث حراكا دينيا صحويا كبيرا فيها، حيث يعد القرضاوي من الرموز الصحوية المعاصرة، وكان في الاتجاه المقابل للقوميين والناصريين خصوصا، وهو من الرموز التي استطاعت أن تخلق تيارا حركيا صحويا داخل التيار السلفي في الخليج العربي والذي كان التيار السلفي التقليدي معارضا في أدبياته للتكونات الحزبية ومنها الإخوان المسلمون، وإن تعاطف مع الإخوان باكرا لأسباب دينية.
شارك القرضاوي في بث الحركة الصحوية في الخليج وخصوصا في قطر، وشاركه في السعودية محمد سرور زين العابدين (ت: 2016م)، ومحمد قطب (ت: 2014م)، وفي الكويت عبدالرحمن عبدالخالق (ت: 2020م) الذي رفضت السلطات القطرية حينها دخوله قطر بعدما طلبت السلطات السعودية مغادرته للمدينة المنورة بعد أحداث أسواق الحرم المدني في 1964م، فاستقر في الكويت ليؤسس الدعوة السلفية الحركية منذ بداية وجوده فيها عام 1965م، فأصبحت الكويت وقطر والسعودية من أهم مراكز الصحويين في الخليج، ويمتد تأثيرهم إلى الإمارات واليمن بشكل أوسع في هذه المنطقة.
الحركة الصحوية بتشكلاتها المختلفة أحدثت جدلا واسعا بعد حادثة جهيمان العتيبي (ت: 1980م)، ونجاح ثورة الإمام الخميني (ت: 1989م)، حيث استخدمت سياسيا كبديل للخطاب الحديثي الظاهري الرافض للتحديث في المنطقة، وأخرج لها فكر جهيمان، فهو يمثل الرمزية المنغلقة ضد التحديث.
كما كان الصحويون أكثر قدرة في مواجهة فكرة تمدد الثورة الخمينية. كما شارك الصحويون في التعبئة الخطابية الشبابية للمشاركة في الجهاد في أفغانستان، ودعم المجاهدين هناك، إلا أن الصحوية اصطدمت بحرب الخليج والاستعانة بالقوات الأجنبية 1990 - 1991م ثم وثيقة النصيحة 1992م وبعدها انتفاضة بريدة 1995م.
يمكن اعتبار أن الكليات والجامعات الدينية في الخليج أصبحت ذات نفس صحوي، بما في ذلك الخطاب الديني، وهي وإن كانت أكثر انفتاحا على التحديث وأدواته من التقليديين، إلا أنها وقفت موقفا يصل أحيانا إلى التضليل والتهييج الشعبوي تجاه الحداثة واللبرالية والمناشط الثقافية المختلفة عنها. مع أن السعودية تنبهت باكرا عن طريق توسعة التيارات السلفية الجامية في كلياتها وجامعاتها الدينية خصوصا، إلا أن الصحويين كان لهم ثقل كبير في قطر والكويت والإمارات واليمن، كما أثروا على الاتجاهات الإسلامية الأخرى، كما في عمان، وزيدية اليمن، فالنفس الصحوي كان غالبا في الخطاب والحراك الديني حينها.
مجيء الشيخ حمد بن خليفة في 1995م يمكن اعتباره أحدث تحولا ثالثا في قطر، ظهر أثره مع الألفية الثالثة.
لا أتحدث هنا عن التحديث البنائي والسياسي والاقتصادي والرياضي في قطر، وإنما حديثي عما له علاقة بتمظهرات الحداثة والتي أثرت في الخليج والعالم العربي ككل، إيجابا أم سلبا، وتمثل في أمرين: الأمر الأول تمثل بداية مع بث قناة الجزيرة في 1 نوفمبر 1996م، وقد أعطيت مساحة واسعة من حرية الطرح لم يكن معهودا في منطقة الخليج، وأصبح لها تأثيرها على المنطقة ككل، وكانت سببا في العديد من التغييرات السياسية، كما ساهمت في تمدد الربيع العربي، وانفتحت بشكل واسع على التيارات الحركية كالإخوان بشكل خاص، أحدث هذا خلق بدائل لها كالعربية في 2003م، وسكاي نيوز في 2012م، وبعد أحداث 11 سبتمبر 2001م، ثم حرب العراق 2003م؛ بثت أمريكا قناة الحرة في 2004م لبناء عقلية مقابلة للتيارات الأصولية والصحوية في المنطقة.
هذه القنوات أحدثت حراكا خليجيا وعربيا نتج عنها مراجعات وتحولات جديدة في المنطقة عموما.
الأمر الثاني: اتجاه قطر إلى الجوانب الاستقطابية ليس للنخب الدينية والحركية، وإنما للنخب الثقافية التي كانت مستقلة في تفكيرها ابتداء، أو ذات اتجاهات قومية ويسارية، وأبرز هؤلاء الذين أحدثوا حراكا فيها الفلسطيني عزمي بشارة، وقد ارتبط بها منذ 2007م، وتربطه علاقة وثيقة بالشيخ حمد بن خليفة، وأسس فيها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في 2010م، ويعتبر اليوم من أهم المراكز البحثية في عالمنا العربي، وانبثق عن هذا معهد الدوحة للدراسات العليا، وهو يهتم بالدراسات الإنسانية، ويستقطب مئات الشباب العرب سنويا، كما ارتبط بشارة بالتلفزيون العربي الذي بدأ بثه في 2015م. واليوم قطر فيها العديد من المراكز البحثية الأخرى أيضا.
رغم أنه لا توجد رؤية واضحة في الحراك الحداثوي في قطر، ولا زالت نزعاته متباينة، من اليمين وحتى اليسار، إلا أن الشيخ حمد منذ توليه للحكم فيها استطاع خلق بيئة لم تكن معهودة في المنطقة، فيها مساحة واسعة من حريات الطرح فيما يتعلق بالشأن الخارجي غير القطري، تمثل كما أسلفت في البعدين الإعلامي والبحثي، أثرا إيجابا أو سلبا في العديد من التحولات، والتي بذاتها تحتاج إلى مراجعات وقراءة فيها شيء من الإنصاف والنقد معا.
بدر العبري كاتب مهتم بقضايا التقارب والتفاهم ومؤلف كتاب «فقه التطرف»
