اللحظة الغريبة المتاحة أمام أمريكا وإيران.. كيف يمكن لصراع بلغ طريقا مسدودا أن يمهّد للسلام؟
14 يوليو 2026
14 يوليو 2026
بلغت العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران أسوأ مراحلها على الإطلاق؛ فعلى مدى الأشهر الأربعة الماضية، خاض الجيشان الأمريكي والإسرائيلي حربا شاملة ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، شملت اغتيال عدد كبير من قادتها السياسيين والعسكريين. وردّت إيران باستهداف قواعد عسكرية أمريكية، ومنشآت حيوية في دول الخليج العربية، وإسرائيل.
وتوصل الجانبان إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في مطلع أبريل، ثم وقّعا في يونيو مذكرة تفاهم هدفها إنهاء الصراع. غير أن هذين الاتفاقين أخفقا حتى الآن؛ إذ واصلت إيران والولايات المتحدة تبادل الضربات. ولا تزال الهوة بينهما واسعة بشأن القضايا الأساسية، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، ومضيق هرمز، ورفع العقوبات. ولهذا يشكك كثير من المحللين في قدرة الطرفين على التوصل في نهاية المطاف إلى اتفاق دائم.
وتبرهن حدة الأعمال العدائية المتزايدة منذ دخول مذكرة التفاهم حيز التنفيذ على أن هذا التشكيك يقوم على أساس وجيه. فبدل أن تمثّل المذكرة بداية فصل جديد في العلاقات الأمريكية الإيرانية، ظل الطرفان عالقين في الفصل القديم. يتبادل كل منهما الاتهامات بأن الآخر يتصرف بسوء نية، ويصر على أن الطرف المقابل ينتهك الاتفاق الذي توصلا إليه في أبريل. كما ينخرطان في حوار متقطع يجري في معظمه عبر وسطاء، عوضا عن التحدث مباشرة. ويؤكد استمرار استخدامهما القوة العسكرية استعدادهما لمواصلة رفع مستوى التصعيد. فقد شنت الولايات المتحدة خلال الأيام الأخيرة أكثر من 300 ضربة على إيران، فيما ردت طهران باستهداف خمس دول إقليمية على الأقل، إلى جانب عدد من السفن العابرة لمضيق هرمز.
ومع ذلك، قد تكون الحرب، في مفارقة لافتة، قد أوجدت فرصة لإيران والولايات المتحدة لإصلاح علاقتهما المنهارة. ويرجع ذلك إلى أن الصراع انتهى إلى حالة من الجمود لا ترضي أيًا من الطرفين. فقد أصبح واضحًا أن واشنطن عاجزة عن إسقاط الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أو إرغامها على التخلي عن برنامجها النووي، أو وقف دعمها لحلفائها الإقليميين، أو انتزاع سيطرتها على مضيق هرمز. وفي المقابل، لا تستطيع طهران إجبار الولايات المتحدة على مغادرة محيطها الإقليمي أو التخلي عن أدوات الضغط الاقتصادي والعسكري.
لقد كشفت الحرب، بعبارة أخرى، أن أيًا من الحكومتين لا يستطيع توجيه ضربة قاضية إلى الأخرى بكلفة يمكن تحملها، وأن استمرار العداء من دون إدارة أو ضوابط صار باهظ الثمن ومحفوفًا بالمخاطر.
في العاصمتين، بدأ كثير من المسؤولين يدركون هذه الحقيقة، حتى مع استمرار القتال؛ ونتيجة لذلك، شرع بعض صناع القرار في كل جانب في البحث عن سبل تتيح لهما التعايش. وللمرة الأولى منذ ما يقرب من عقد، التقى مسؤولون أمريكيون وإيرانيون كبار مباشرة في إطار المفاوضات. وهم يناقشون تنازلات ذات مغزى، وقد يتفق الجانبان على إنشاء خط اتصال ساخن يربط بين جيشيهما، بهدف احتواء الصراع قبل أن يخرج عن السيطرة. وإذا وفيا بهذا التعهد الأولي، فستكون تلك أول قناة من نوعها بين الولايات المتحدة وإيران منذ اقتحام الثوار السفارة الأمريكية في طهران عام 1979.
وقد تؤول هذه الجهود إلى الفشل؛ فمذكرة التفاهم، في نهاية المطاف، تقف على حافة الانهيار. وفي كلا البلدين قوى نافذة تعارض الدبلوماسية وتفضّل المواجهة. ومن المؤكد أن ما يستطيع الخصمان تحقيقه عبر الانخراط المتبادل سيظل محدودًا. لكن الطرفين قد يصلان في نهاية المطاف، بفعل الإنهاك وحده، إلى الخلاصة المترددة نفسها: أن النهج القديم قد أخفق. سيظل التغيير شاقًا، لكنه أصبح ممكن التصور.
الفشل الأقصى
كانت خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015 آخر محاولة جادة لتثبيت العلاقات الأمريكية الإيرانية وإعادة ضبطها. ومن الناحية الرسمية، كان الاتفاق محدود النطاق. فقد تعهدت إيران بتقييد برنامجها النووي والقبول بعمليات تفتيش دولية أوسع، وفي المقابل عرضت الولايات المتحدة تخفيفًا محدودًا للعقوبات. لكن الاتفاق، من الناحية السياسية، كان رهانًا أكبر بكثير؛ فقد اعتقد المسؤولون أن حلّ وضع البرنامج النووي الإيراني قد يفتح الطريق أمام طهران وواشنطن لمعالجة قضايا أخرى، مثل دعم إيران أطرافا إقليمية. ومع مرور الوقت، ربما كان في وسع الجانبين حتى إقامة علاقة دبلوماسية طبيعية.
غير أن هذا التصور لم يخضع قط لاختبار حقيقي. فعندما دخل الاتفاق حيز التنفيذ في يناير 2016، كان المفاوضون من الطرفين قد بلغوا حدود طاقتهم. وما إن بدأ تطبيقه حتى تعرض لضغوط داخلية شديدة في كلا البلدين. ففي الولايات المتحدة، رفضه الجمهوريون على نطاق واسع، وانضم إليهم بعض الديمقراطيين، بدعوى أنه قدم تنازلات مفرطة لإيران. وفي طهران، اضطر الرئيس حسن روحاني ووزير الخارجية محمد جواد ظريف إلى الدفاع عن الاتفاق في مواجهة منتقدين رأوا أن التسوية مع الولايات المتحدة تنم، في أحسن الأحوال، عن سذاجة عميقة، وفي أسوأها عن خيانة صريحة.
ولم يكن لدى أي من الطرفين ما يكفي من القدرة الدبلوماسية أو الهامش السياسي لمعالجة نقاط التوتر الأخرى في العلاقة الثنائية. وعندما فاز دونالد ترامب بالرئاسة في أواخر عام 2016، تبددت أي فرصة متبقية. فقد سخر ترامب من خطة العمل الشاملة المشتركة ووصفها بأنها «أسوأ اتفاق جرى التفاوض عليه على الإطلاق»، ثم انسحب منها في عام 2018. ووعد بأنه سيرغم إيران على تغيير سلوكها من خلال حملة «الضغط الأقصى».
لكن انهيار الاتفاق لم يفد أيًا من الطرفين في نهاية المطاف. ففي واشنطن، ربما اعتقد أنصار الضغط الأقصى أن المزيد من العقوبات والعزلة سيدفع الجمهورية الإسلامية إلى قبول اتفاق أفضل، أو ربما يؤدي إلى انهيارها تحت وطأة الضغوط. إلا أن النظام صمد. ووسّع برنامجه النووي. وخلف روحاني الرئيس إبراهيم رئيسي، المعروف بنهجه المتشدد، ومنح نفوذا أوسع لكثير من التيارات التي كانت قد هاجمت الاتفاق النووي.
لكن المتشددين الإيرانيين لم يحققوا نجاحا هم أيضًا. فقد تكبدت البلاد أضرارًا اقتصادية جسيمة جراء القيود الأمريكية، مما أشعل موجات من الاحتجاجات التي هددت الاستقرار. وبعد هجوم حماس على إسرائيل في أكتوبر 2023، أضعفت الردود العسكرية الإسرائيلية والأمريكية شركاء إيران الإقليميين على نحو بالغ.
ومع ذلك، لم تغيّر طهران ولا واشنطن نهجها. بل إن الطرفين ازدادا اندفاعا نحو التصعيد، إلى أن بلغ الأمر ذروته في الحرب التي اندلعت في فبراير. غير أن حالة الجمود التي أفرزتها الحرب قد تعيد تشكيل الافتراضات السائدة في العاصمتين. ويبدو أن بعض المسؤولين الأمريكيين، على الأقل، بدأوا يدركون أن واشنطن أخفقت في إحداث التغيير، رغم استخدامها معظم أدوات الإكراه المتاحة لها. أما الجمهورية الإسلامية، فربما تكون قد نجت من الحرب، لكنها قد لا تنجو من السلام إن عجزت عن استعادة عافيتها وتحقيق قدر من الازدهار. فقد خرج جيشها من الصراع مثخنًا بالضربات، وازداد اقتصادها المتعثر أصلًا سوءًا، فيما لا يزال السخط الشعبي واسعًا.
التاريخ والسوابق
سبق لواشنطن أن صنعت السلام مع خصومها؛ فقد حاولت عزل الصين طوال عشرين عامًا بعد أن سيطر الحزب الشيوعي على البلاد. لكن في مطلع سبعينيات القرن الماضي، وبعد أن خسرت الولايات المتحدة حروبًا غير مباشرة أمام الصين في كوريا وفيتنام، أدرك بعض المسؤولين الأمريكيين أن القطيعة لن تلغي الثورة الصينية، وأن المصالح الأمريكية يمكن خدمتها على نحو أفضل باستثمار القوى الجيوسياسية التي كانت تدفع بكين بعيدًا عن الاتحاد السوفييتي.
وهكذا بدأت واشنطن مسارًا بطيئًا لتطبيع العلاقات مع الصين. وخلال ذلك، لم تتخل الولايات المتحدة عن دعمها لتايوان، وإنما وضعت مسألة سيادة الجزيرة جانبًا، بحيث تتمكن بكين وواشنطن من إيجاد سبل للتعاون في القضايا التي تشكل موضع اهتمام مشترك. وكان الدرس الأهم أن اختفاء العداء لم يكن شرطًا لبدء الدبلوماسية، وأن الحوار يمكن أن ينطلق قبل تسوية الخلافات الجوهرية.
وتقدم فيتنام مثالا أكثر دراماتيكية. فقد أمضت الولايات المتحدة سنوات تحاول منع انتصار الشيوعيين في البلاد، وخاضت حربا مدمرة أودت بحياة عشرات الآلاف من المدنيين والجنود الفيتناميين. ثم خسرت الحرب، وأمضت بعد ذلك سنوات في محاولة عزل هانوي.
لكن بحلول منتصف تسعينيات القرن الماضي، خلصت واشنطن إلى أن تطبيع العلاقات قد يخدم المصالح الأمريكية أكثر من القطيعة الدائمة، لأنه سيوسع نطاق التجارة، ويعزز الاستقرار الإقليمي، ويمنح الولايات المتحدة نفوذًا أكبر في جنوب شرق آسيا. ثم بدأ البلدان مسارا تدريجيا للتطبيع؛ فخففت واشنطن العزلة الاقتصادية الدولية المفروضة على فيتنام، ورفعت الحظر التجاري عنها، ووقّعت معها اتفاقًا قنصليًا. وفي عام 1995، أعادت الولايات المتحدة وفيتنام العلاقات الدبلوماسية وافتتحتا سفارتين.
ولم يقتض هذا المسار نسيان الحرب، فضلًا عن التوصل إلى رواية مشتركة بشأنها. لكن الحكومتين أنشأتا آليات لمعالجة أكثر مخلّفاتها إيلامًا، من بينها جهد مشترك لمعرفة مصير الأمريكيين المفقودين، من خلال إتاحة الوثائق الأرشيفية، وإجراء التحقيقات الميدانية، وعمليات البحث والتنقيب. وأسهم هذا المسار في تمهيد الطريق أمام فيتنام لكي تصبح شريكًا مهمًا للولايات المتحدة خلال العقدين الثاني والثالث من القرن الحادي والعشرين، بالتزامن مع نقل واشنطن بعض سلاسل الإمداد الأمريكية إلى خارج الصين.
لم تنتهِ كل محاولات الولايات المتحدة للتقارب مع خصومها على نحو جيد. ففي عام 2014، أعاد الرئيس باراك أوباما العلاقات مع كوبا إلى طبيعتها، انطلاقًا من أن عقودًا من العزلة أخفقت في خدمة المصالح الأمريكية أو دفع الجزيرة نحو الديمقراطية.
غير أن خطوات أوباما استندت بدرجة كبيرة إلى صلاحياته التنفيذية، ولم تحظَ بتأييد راسخ من الحزبين، كما واجهت معارضة شديدة ومتجذرة، بما في ذلك من أوساط الجالية الكوبية، في صورة تشبه إلى حد بعيد ما واجهه اتفاقه النووي مع إيران. ولذلك، سرعان ما تراجع ترامب عن تلك السياسة أيضًا.
لكن الجهود التي يبذلها البيت الأبيض حاليًا مع إيران لا تحتاج إلى تكرار تجربة أوباما مع كوبا أو الجمهورية الإسلامية؛ فهذا المسار ينطلق من نقطة مختلفة: حرب خرج منها الطرفان للتو. وهو يشبه، بدرجة أكبر، مساعي الولايات المتحدة لاستعادة العلاقات مع بكين وهانوي. صحيح أن طهران أكثر انخراطًا في صراعات إقليمية نشطة مما كانت عليه أي من هاتين الحكومتين لحظة بدء الانفتاح عليهما، كما أن برنامجها النووي لا يزال مصدرًا بالغًا للتوتر. لكن إيران والولايات المتحدة قد تكونان بدأتا تدركان أن الإكراه لن يحل هذه القضايا. فالدبلوماسية مع الخصوم قلما تبدأ من وضوح أخلاقي كامل؛ إنها تبدأ حين تصبح كلفة الأوهام أكبر من مشقة مواجهة الواقع.
مخرج واحد
لا يعني ذلك أن صفقة كبرى باتت مطروحة، فهي ليست كذلك. والمهمة العاجلة، في الواقع، تقتصر على ضمان ألا تنهار مذكرة التفاهم تحت وطأة ألف جرح يزداد عمقًا يومًا بعد يوم. يجب أن يبقى مضيق هرمز مفتوحًا، وأن تؤخذ المفاوضات اللاحقة بجدية، وأن تستمر مدة أطول من لقاء عابر على مائدة إفطار متأخر يوم الأحد. كما ينبغي لقناة منع الاشتباك بين الحرس الثوري الإسلامي والقيادة المركزية الأمريكية أن تثبت قدرتها على تحقيق نتائج.
وعلى الطرفين أيضًا أن يستوعبا درسًا أساسيًا من الماضي: لم تصبح خطة العمل الشاملة المشتركة عرضة للانهيار بسبب ضعفها الفني، وإنما لأنها تُركت يتيمة سياسيًا. فقد كان خصومها صبورين ومنظمين ولا يكلّون، في حين افترض المدافعون عنها، على نحو خاطئ، أن تنفيذ الاتفاق سيصنع تلقائيًا قاعدة سياسية تدافع عنه. وأي ترتيب جديد مع إيران يجب أن يُبنى على الافتراض المعاكس: أن المعرقلين سيتحركون أسرع من المستفيدين.
ويبدأ الاختبار الأصعب من داخل إيران نفسها. فالجمهورية الإسلامية يقودها اليوم مرشد أعلى جديد لم يُختبر بعد، ونخبة سياسية يُرجح أن وحدتها التي فرضتها الحرب تخفي خلافات عميقة بشأن المستقبل. سيرى بعضهم أن التفاهم مع واشنطن هو السبيل الوحيد لتثبيت النظام بعد حرب مدمرة. وسيراه آخرون تآكلًا أيديولوجيًا يتخفى في ثوب البراغماتية.
لكن رغم اختلاف تصورات النخب الإيرانية للمستقبل، فإنها تتفق على ضرورة عاجلة تتمثل في تثبيت ما تعتبره مكاسب حققتها خلال الحرب، وفي مقدمتها السيطرة على مضيق هرمز. ولن تحسم الخطب موازين القوة بين هذه المعسكرات، وإنما ستحسمها قدرة الدبلوماسية على تحقيق انفراج اقتصادي يلمسه الإيرانيون العاديون في حياتهم. أما بالنسبة إلى إدارة ترامب، فالسؤال هو ما إذا كانت تدرك حجم التحول الذي تمضي نحوه. فإذا دخل التخفيف الواسع للعقوبات، المنصوص عليه في مذكرة يونيو، حيز التنفيذ في نهاية المطاف، فلن تكون النتيجة مجرد حافز تقدمه واشنطن لطهران، بل ستكون إشارة إلى أن الولايات المتحدة، بعد أربعة عقود من محاولة إخضاع الجمهورية الإسلامية أو دفعها إلى أزمة عبر الإكراه، قد تكون مستعدة أخيرًا للتخلي عن سياسة الاحتواء.
ولا يعني ذلك أن تكف واشنطن عن السعي إلى تغيير السياسات الإيرانية التي تعدها مثيرة للمشكلات في الداخل والخارج. لكنه سيعني أن الولايات المتحدة باتت تدرك مدى محدودية ما حققته الضغوط في غياب الانخراط الدبلوماسي، وأنها قررت بناء توازن جديد بين الدبلوماسية والضغط. وهذا إقرار يصعب على أي رئيس أمريكي أن يقدمه، ويزداد صعوبة بالنسبة إلى رئيس تقوم علامته السياسية على الامتناع الدائم عن الاعتراف بالهزيمة.
والتحديات العاجلة واضحة. فقد جعلت التفسيرات المتعارضة لمذكرة التفاهم الوثيقة على حافة الانهيار بعد أقل من شهر على توقيعها. وبدل استعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز، يواصل الطرفان التنازع على السيطرة على الممر المائي، مما يفجّر جولات حادة من الضربات المتبادلة. وتصر إسرائيل على احتفاظها بحرية العمل في لبنان، حيث تطالب طهران بوقف الهجمات وانسحاب إسرائيلي كامل. ولذلك قد تنهار آلية منع الاشتباك تحت وطأة الأزمات قبل أن تنضج.
وستواجه واشنطن خيارًا طالما تجنبته: هل هي مستعدة لكبح إيران وشركائها فحسب، أم كبح حلفائها أيضًا حين تهدد أفعالهم بجر الولايات المتحدة مجددًا إلى الصراع؟
وحتى إذا أمكن ضبط المعرقلين، وعادت طهران وواشنطن إلى مناقشة خلافاتهما حول الاتفاق على طاولة المفاوضات بدلًا من ساحة القتال، فلا ضمانة بأن يتمكن الطرفان من تحديد أسس تعايش سلمي وإرسائها. فبعد سنوات من الاغتيالات والعقوبات واحتجاز الرهائن والوعود المنكوثة والحروب بالوكالة والعداء الأيديولوجي، لا تزال إيران والولايات المتحدة تنظر كل منهما إلى الأخرى بقدر عميق من الريبة. ولا يتطلب انهيار المفاوضات الكثير. وقد تُذكر اللحظة الراهنة عندئذ بوصفها فرصة أخرى ضائعة، وفاصلًا قصيرًا بين جولتين من العنف.
لكن إيران والولايات المتحدة لا تحتاجان إلى أن تصبحا صديقتين. ما تحتاجان إليه هو أرضية ثابتة لا تنهار مع كل تحول سياسي. وإذا نجحتا في ذلك، فستكون التداعيات هائلة. فمن شأن علاقة مستقرة بين الولايات المتحدة وإيران أن تعطل أحد المحركات الرئيسية للتصعيد في الشرق الأوسط، وأن تخفض احتمال تحوّل كل نزاع محلي إلى حرب إقليمية. وقد تدفع إيران كذلك إلى خوض المنافسة بدرجة أقل عبر التعطيل، وبدرجة أكبر عبر الدبلوماسية والتجارة.
لكن ذلك سيتطلب من طهران وواشنطن أن تجعلا من اللحظة الحالية نقطة انطلاق لنزع فتيل قنابل أخرى موقوتة، من بينها ملفات لبنان والفلسطينيين وسوريا، وهي قضايا حاولت إسرائيل من دون نجاح معالجتها عسكريا. كما سيتطلب أن تعيد إيران بناء الثقة مع جيرانها العرب في الخليج، وأن تسعى إلى حلول جامعة لقضايا من قبيل مستقبل مضيق هرمز ودعمها للجهات المسلحة من غير الدول.
وعندها قد تُذكر هذه المحادثات بوصفها اللحظة التي توقفت فيها واشنطن عن التساؤل عن كيفية هزيمة الجمهورية الإسلامية، وقررت فيها طهران أن النجاح الجيوسياسي يحتاج إلى شيء آخر غير المواجهة الدائمة. وبعد 47 عاما من العداء، سيكون ذلك ثورة قائمة بذاتها.
علي واعظ مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية.
عن مجلة فورين أفيرز «خدمة تربيون»
