الاتفاق الأمريكي الإيراني نموذج للتنازلات المتبادلة.. وإسرائيل الخاسر الأكبر!

24 مايو 2026
24 مايو 2026

عندما ينشر هذا المقال قد تكون مسودة إعلان النوايا قد تحولت إلى اتفاق ملزم يتنفس فيه العالم الصعداء، وقد تتعثر في اللحظة الأخيرة كما تعثرت مرات عديدة وقد تنقلب سريعا أو بعد الأيام الـ٦٠ إلى عدوان آخر كالذي شنته أمريكا وإسرائيل على إيران في ٢٨ فبراير الماضي.ولكن إذا سرنا مع التفاؤل الحذر الذي اتفق فيه الإيرانيون والأمريكيون ومعهم الوسطاء لأول مرة على أن اختراقا حاسما قد تحقق، وإذا وضعنا أيضا القيمة المعنوية لاتفاق غير معتاد من الزعماء العرب والإقليميين، وكذلك الأوروبيون في نصح الرئيس ترامب بالمضي في الاتفاق للنهاية وتوقيعه؛ فإننا يمكن تحليل الملامح الأساسية لهذا الاتفاق والفائزين والخاسرين منه في حال توقيعه والذي ربما يكون كما أشرنا قد تم عند نشر هذا المقال.هذا الاتفاق هو اتفاق مرحلي متوازن يربح فيه الطرفان أشياء ويخسران أشياء أخرى؛ هو ذلك الذي يصفه الدبلوماسيون بصفقة {رابح.. رابح}.

في هذه الصيغة يحقق كل طرف في النزاع أولوياته الأهم استراتيجيا، ويقدم مقابلها تنازلات تستجيب، وتقدم للطرف الآخر ما يحقق أيضا أولوياته الاستراتيجية.

في حالة إيران كانت المكاسب هي الأولوية الاقتصادية - السياسية في منع الاقتصاد الإيراني من التفكك؛ وبالتالي منع النظام السياسي من فقد شرعيته أمام شعبه، خاصة قاعدته الاجتماعية من المستضعفين والفقراء في الريف وهوامش المدن الكبرى الذين تأثروا بانهيار العملة الوطنية والغلاء، وتراجع مستويات الدعم والغذاء والدواء.

تحققت هذه الأولوية في مذكرة التفاهم من خلال الموافقة على رفع الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية، ورفع العقوبات والقيود على تصدير النفط الإيراني وإفراج جزئي عن ٢٥ مليار دولار من أموالها المجمدة، وستضخ هذه التدفقات النقدية بالعملة الأجنبية فرصة تاريخية للنظام السياسي الإيراني لمكافأة شعبه على صموده في وجه العدوان؛ خاصة المعارضين الذين نحوا بنبل خلافاتهم مع النظام، والتزموا توحدا وطنيا.

قد يمكن هذا المكسب الوارد في الاتفاق طهران من إحداث قدر معقول من الانتعاش الاقتصادي للجميع مصحوبا باستمرار غض الطرف أو التسامح الاجتماعي مع الحجاب وقيود أخرى اجتماعية قد تنقل ربما الطبقة الوسطى من طبقة المعارضة من خارج النظام إلي معارضة من داخله، والانتقال بهذه المعارضة من الانتفاضات المتكررة إلى صناديق الانتخابات، أي من الشارع إلى البرلمان. اللافت أن مكاسب ترامب الأكبر تصب أكثر أيضا في الاقتصاد السياسي؛ فالمسودة تفتح أخيرا مضيق هرمز الذي ضرب الاقتصاد العالمي كله، ولكن ضرب خصوصا المستهلك الأمريكي في صورة ارتفاع في أسعار الوقود والسلع الاستهلاكية للحياة اليومية، وضربت معه شعبية ترامب لتنخفض إلى حدود ٣٥٪ من الأمريكية وخسارة أغلبية ساحقة من ثلثي الناخبين.

فتح مضيق هرمز يمنح ترامب للعودة للسيطرة على الأسعار واستعادة إنجازه في الولاية الأولى، وهي خفض الأسعار، وزيادة معدلات التشغيل، وفرص العمل للطبقة العاملة خاصة البيضاء، وهي قاعدة اجتماعية مهمة لترامب وحركة «ماجا» المرتبطة به.

ينقذ ترامب بالاتفاق نفسه، ويبعد عنه شبح مصير العزل وعدم استكمال فتره الثانية إذا خسر حزبه الانتخابات النصفية للكونجرس وعاد الديمقراطيون للهيمنة على المجلسين أو على الأقل مجلس النواب.

فاز الإيرانيون بمطلب عدم التفاوض تحت الحرب حول الملف النووي، ولكن الأمريكيين فازوا بتعهد إيراني بعدم امتلاك سلاح نووي، وبالتخلي عن اليورانيوم المخصب «قد يكون بتخفيض نسبته أو إرساله لدولة ثالثة روسيا أو الصين مثلا». فازت إيران بمبدأ استمرار دورها كقوة إقليمية بالربط بين الجبهات بتضمين إنهاء الحرب بين حزب الله وإسرائيل، وفازت أمريكا بمبدأ استمرارها كقوة دولية عسكرية في الخليج؛ فهي ترفع الحصار على الموانئ الإيرانية، لكن قواتها وقطعانها البحرية وحاملات الطائرات بقوة نيرانها الهائلة ستبقى على الأقل حتى توقيع اتفاق نهائي.

فاز الإيرانيون بإنهاء حالة الاستنزاف لإيران ولأصدقائها في حزب الله، وفاز الأمريكيون بتطبيق مبدأ التقدم المشروط أو مبدأ التقدم مقابل الأداء.

معنا ذلك أن الولايات المتحدة تتقدم في رفع العقوبات، والإفراج عن الأموال، وتخفيف الوجود العسكري بقدر ما تلتزم إيران بأداء متقن في البنود الأخرى، وتتراجع عنها، وتعيد فرضها إذا حدث العكس.

استراتيجيا تختلف الصورة؛ فهذه المكاسب التي حققها كل طرف -على أهميتها الكبيرة كما أشرنا - تتعلق بما يمكن وصفه بالإنجازات التكتيكية.

أما على المستوى الاستراتيجي فإن إيران تعد فائزة استراتيجيا رغم كل الهزائم العسكرية والخسائر المدنية التي منيت بها نتيجة عدم التكافؤ في القوة مع أقوى جيشين في العالم؛ إذ منعت أمريكا وإسرائيل من تحقيق أهدافهما من الحرب: «إسقاط النظام المعادي للغرب الداعم للقضية الفلسطينية، والقضاء التام على البرنامج النووي الإيراني، والقضاء على قوة الردع بالسعي غير الناجح للتخلي عن برنامجها الصاروخي والمسيرات، والقضاء على طهران كقوة إقليمية يدفعها للتخلي عن أصدقائها من غزة لبغداد ومن جنوب لبنان إلى صنعاء -محور المقاومة عند البعض ووكلاء وأذرع إيران عند آخرين-».

وتعد إيران فائزة استراتيجيا بتمكنها أيضا من منع أمريكا من تحقيق أهدافها في المفاوضات؛ فلقد حدد ترامب هدفه من التفاوض باستسلام تام من الإيرانيين وانتصار تام للأمريكيين، وهو ما لم يحدث. فالمسودة تكاد على طابعها المرحلي وقابليتها للانقلاب عليها نموذجا كلاسيكيا لمعنى التفاوض والتنازلات المتبادلة، وليس سحق طرف لطرف آخر على غرار استسلام اليابان وألمانيا للحلفاء بعد الحرب العالمية الثانية.

المكاسب السياسية التكتيكية للرئيس ترامب، وإنقاذ مستقبله السياسي ومكانته في التاريخ الرئاسي الأمريكي وربما مستقبل حزبه في الانتخابات نوفمبر هذا العام، والحفاظ على فرص فوز مرشح من حزبه في الانتخابات الرئاسية بعد عامين، وبقاء الجمهوريين في البيت الأبيض لا تجعله الخاسر الأكبر من المسودة المطروحة لاتفاق مرحلي مدته ٦٠ يوما.

لكن الخاسر الأكبر استراتيجيًا هو إسرائيل ونتنياهو؛ فهو لم يخسر فقط ما وعد به الإسرائيليين من الحرب بأنه سيقضي بعدها على ما يسميه التهديد الوجودي الإيراني عبر تدمير إيران نظامًا وبرنامجا نوويا مشروعا إقليميا «عسكريا وصناعيا وتكنولوجيا» متحديا هيمنته على المنطقة.

ولكن أيضا ربما فقد نتنياهو ثقة ترامب والدولة العميقة الأمريكية لجرها لحرب جرح هيبتها العالمية لدرجة أن محلل إسرائيلي يلمح إلى أن ترامب قد يصبح الزعيم الذي قد يذكر في التاريخ باعتباره من حكم على بلاده، وعلى الغرب بأسره بهزيمة استراتيجية.

إذا فقد زعيم إسرائيلي ثقة الولايات المتحدة وتطور هذا الموقف خاصة مع انتقال أغلبية أمريكية شعبية مطلقة على إسرائيل فإن من سيتعرض لتهديد وجودي حينئذ لن تكون إيران، بل ستكون إسرائيل، قاعدة أمريكا والإمبريالية الغربية في المنطقة المربوطة بواشنطن بحبل سري إذا قطع أو حتى ترهل؛ فإن هذا الزعيم الإسرائيلي في الغالب سيرحل في أول انتخابات إسرائيلية عامة إذا لم يستعد هذه الثقة.

ككل تطور سياسي وحتى استراتيجي؛ فإن الانقلاب عليه ممكن -كما تقول خبرة طوفان الأقصى العظيم- عندما تحرك الخاسرون لتعديل أوضاعهم، وفشل الرابحون في الاستفادة من مكاسبهم وفرصهم، وكم حدث هذا في منطقتنا خاصة من النظام السياسي العربي الخامل!

حسين عبد الغني إعلامي وكاتب مصري