التراث منظومة تعليمية متجددة تبني الإنسان قبل المكان
24 مايو 2026
24 مايو 2026
الحديث عن القيم التعليمية والتربوية للتراث يقودنا إلى التساؤل عن مدى مساهمة التراث في تعليم وتربية الناشئة، ودوره كمصدر للتعلم ونقل المعرفة والخبرات، وترسيخ القيم الثقافية عبر الأجيال عن طريق مؤسسات التعليم أو من خلال التعلم الذاتي أو غير الرسمي.
يمكن القول بأن التراث، وخاصة الأثري منه، هو أداة أو مختبر تعليمي ومعرفي متكامل؛ فهو يقدم أدوات وتجارب تعليمية تمكن أفراد المجتمع من فهم التاريخ الحضاري والثقافي، وتعمل على زيادة الوعي بأهمية الحفاظ على تراثهم.
إن نقل هذه المعرفة التاريخية للأجيال يسهم بشكلٍ كبير في فهمهم لتشكُل المجتمعات البشرية عبر الزمن، وأهم التطورات الحضارية التي رافقت نشأتها، ما يسهم في ترسيخ الهوية والانتماء إلى المجتمع والأرض والوطن الأم، ومن ثم تعزيز الوعي الذي يقدر ويثمن هذا التراث، ونشر ثقافة المشاركة المجتمعية في الحفاظ عليه وصونه.
كما أن التراث يساعد على تنمية واكتساب مهارات متنوعة مثل البحث والتحليل، والتفكير النقدي، إضافةً إلى دوره المحوري في تشكيل السياسات التعليمية والثقافية العامة وتحديد مسارها، الأمر الذي يُمكن متخذي القرار من تطوير المناهج والبرامج التعليمية بحيث يتم فيها إدماج موضوعات تتناول التراث الثقافي المادي وغير المادي، ودعم المؤسسات التعليمية، ليس فقط تلك المرتبطة بشكلٍ مباشرٍ بالتعليم، بل والمراكز البحثية والهيئات الثقافية والمتاحف ومراكز الزوار في المواقع التراثية.
إن مفردات التراث وعناصره المختلفة تحمل تجارب إنسانية تراكمت عبر قرون يمكن أن تشكل مواد تعليمية حقيقية تربط بين الواقع النظري والجانب العملي، أي أنه لا يُكتفي بالتعلم المعتمد فقط على القاعة الفصلية بل يتعداه إلى الخروج للميدان؛ فالموقع الأثري وما يرتبط به يمكن أن يصبح هو مُعلِم التاريخ الأول. فتوظيف التراث في الجوانب التعليمية والتربوية ليس فقط حصرًا على المدارس والجامعات وغيرها من المؤسسات التعليمية، بل يتجاوزه إلى المجتمع المحلي والمراكز والمؤسسات الثقافية، وذلك من خلال -على سبيل المثال- المعارض والمهرجانات الثقافية والسياحية، والزيارات التعليمية، والمتاحف، ومراكز الزوار، والحدائق والمنتزهات والمحميات الأثرية والطبيعية، إضافةً إلى البرامج المجتمعية المعنية بالتراث.
تخلق هذه المشاركة تجارب تعليم مباشرة، وتغرس لدى الطلبة ثم المجتمع، الوعي المبكر بأهمية التراث، وتعزز التزامهم بحمايته واستثماره بما يخدم استدامة التراث والتنمية في آنٍ واحد.
تربويًا، يقدم التراث الثقافي دروسًا تعليمية ومهارات في مجالات الإدارة والقيادة، والابتكار والتفكير الناقد والتحليلي، والتواصل والتنظيم الاجتماعي. فالقيم المعلوماتية التي نستقيها من التراث فيما يتصل بالكيفية التي تعامل فيها الإنسان القديم مع الظروف القاسية ومدى تأقلمه فيها، والآلية التي استطاع من خلالها أن ينظم بها حياته اليومية، وإدارته لمدنه وما يرتبط بها من مكونات وتحديات اقتصادية اجتماعية توفر أمثلة علمية وعملية على الإدارة والقيادة والتنظيم، ويمكنها أن تثري المناهج التعليمية بمادة تربوية تعتمد على الواقع التاريخي المادي، وهو ما يعزز الشعور بالهوية والانتماء الوطني الذي يعتبر عنصرًا مؤثرًا في التنشئة الوطنية.
وكذلك هو الحال فيما يتعلق بالتراث الطبيعي الذي يقدم أيضًا قيمًا معلوماتية تعليمية تتعلق بالاستدامة البيئية والتأقلم مع شح المصادر، فهناك تجارب وخبرات سابقة يمكن استغلالها في العملية التعليمية التطبيقية، مثل أنظمة وطرق الري التقليدية وإدارة المياه التي ابتكرها الإنسان القديم لمواجهة التحديات المناخية القاسية؛ حيث يمكن للطلبة أن يقوموا بزيارات ميدانية ينفذوا من خلالها تجارب ومحاكاة عملية. وبهذه الطريقة يعمل التراث كحلقة وصل بين التعليم والتعلم النظري والتجربة والتطبيق العملي ما يرفع من مستوى الفهم والتفكير النقدي، وينمي قيم الاستدامة والمسؤولية البيئية المشتركة.
من هنا؛ كي يكون التراث أداةً تربويةً واستراتيجيةً لا بد من توظيف قيمه التعليمية على المستوى الرسمي بحيث تكون حاضرة في السياسات التعليمية كأن يتم تضمين مفردات التراث في البرامج والمناهج التعليمية سواء على مستوى المدارس أو الجامعات، وإعداد برامج تدريبية للمعلمين والأكاديميين والمرشدين السياحيين، إضافةً إلى إدماجه ضمن استراتيجيات البحث العلمي والأنشطة المجتمعية والمبادرات التربوية.
من جانب آخر من الممكن تحويل المواقع الأثرية إلى مؤسسات أو مراكز تعليمية تربوية، أو متاحف ومتنزهات أثرية؛ بحيث يتم ربط العملية التعليمية الفصلية بمثل هذه المرافق. فبهذا الاستثمار الاستراتيجي تستطيع الدولة أن تحمي تراثها من جهة، وتخلق جيلًا واعيًا بأهمية هذا التراث، ومدركًا لقيمه المختلفة، وهو ما يعزز الهوية الوطنية واستدامة التنمية.
ولم تغفل سلطنة عُمان عن هذه الأهمية لذلك كانت جزءًا محوريًا في أولويات رؤية «عمان 2040»، وخاصةً في أولوية «التعليم والتعلم والبحث العلمي والقدرات الوطنية» التي اتخذت توجهًا استراتيجيًا يسعى إلى «تعليم شامل وتعلّم مستدام، وبحث علمي يقود إلى مجتمع معرفي وقدرات وطنيّة منافسة».
وكانت من أهداف هذه الأولوية إعداد «مناهج تعليمية معززة للقيم، ومراعية لمبادئ الدين الإسلامي، والهوية العمانية، ومستلهمة من تاريخ عمان وتراثها، ومواكبة لمتطلبات التنمية المستدامة، ومهارات المستقبل، وتدعم تنوعًا في المسارات التعليمية».
وقد جاء ذلك متوافقًا مع الخطة الخمسية الحادية عشرة (2026-2030) فيما يتعلق بتنمية الموارد البشرية، إضافةً إلى الخطة الخمسية العاشرة (2021-2025) من ناحية أهدافها ومرتكزاتها وبرامجها الاستراتيجية ضمن هذه الأولوية حيث «تؤسس الأهداف لتطوير المنظومة التعليمية بكافة مستوياتها، وتحسين مخرجاتها لبناء الإنسان العماني الواثق من هويته المتمسك بقيمه الاجتماعية المبتكر والنشط اقتصاديًا».
وقد جاء في الهدف الثاني من ضمن السياسات والإجراءات المقترحة لتحقيق هذه الأهداف «تحديث مناهج التدريس في مختلف مستويات التعليم وتضمينها ما يواكب متطلبات المستقبل والتركيز بشكل أكبر على الأنشطة اللاصفية الحديثة». كما تم التأكيد على هذه الأهداف في أولوية المواطنة والهوية والتراث والثقافة الوطنية؛ حيث إن التوجه الاستراتيجي هو «مجتمع معتز بهويته وثقافته وملتزم بمواطنته»، وذلك من أجل تعزيز الهوية العُمانية، والحفاظ على التراث والثقافة؛ حيث جاء في الهدف الرابع من ضمن السياسات والإجراءات المقترحة لتحقيق الأهداف الاستراتيجية لهذه الأولوية «التركيز على النطاق التعليمي والتربوي لتعزيز قيم التسامح والتفاهم والتعايش السلمي، ونبذ العنف وتقبل الآخر لمختلف الفئات العمرية»، وهذا يتوافق مع أهداف أولوية التعليم والتعلم والبحث العلمي والقدرات الوطنية.
إن هذا التوجه يمكن تحقيقه من خلال توظيف القيم المعلوماتية التي يقدمها التراث الثقافي والطبيعي لسلطنة عُمان؛ ولتحقيق هذا الهدف عملت وزارة التعليم، على سبيل المثال، على إدماج التراث المادي وغير المادي في المناهج والمقررات في أغلب المراحل الدراسية في التعليم ما قبل الجامعي، وإن كان هذا الحضور لا يزال بحاجة إلى مزيد من الجرعات المعلوماتية عن التراث.
أما على المستوى الجامعي فقد تم عام 1993 تأسيس قسم الآثار في جامعة السلطان قابوس حيث لعب، ولا يزال، دورًا كبيرًا في تأهيل الكوادر المتخصصة في قطاعي التراث والسياحة، إضافةً إلى دوره الكبير في مجال البحث العلمي وإنتاج المعرفة.
كما شاركت وزارة التعليم في إقامة الفعاليات والمهرجانات الطلابية ذات الصلة، إضافة إلى دعمها، من خلال اللجنة الوطنية العمانية للتربية والثقافة والعلوم، انتساب حوالي 45 مدرسة من مدارس سلطنة عمان لليونسكو؛ بهدف إعداد برامج تثقيفية عن التراث العالمي والتنمية المستدامة، ودعم وتشجيع الحوار بين الثقافات وتبادل الخبرات.
كما عملت سلطنة عمان على إنشاء عدد من المراكز الثقافية والمتاحف التي لعبت دورًا مهمًا في التعليم والتعلم، ولعل من أهمها متحف عمان عبر الزمان والمتحف الوطني، ومتحف قسم الآثار بجامعة السلطان قابوس، ومركز زوار بسياء وسلوت في بهلاء.
لقد عملت هذه المتاحف على تقديم برامج وأنشطة تعليمية وتدريبية وتوعوية لطلبة المدارس؛ بهدف تعزيز التعلم التاريخي والثقافي وخاصةً التعلم بالمشاهدة والتجربة، وصقل القدرات الذهنية المعرفية، وتعزيز الهوية الوطنية، وضمت قاعات مزودة بأحدث التقنيات.
فعلى سبيل المثال، يضم متحف عمان عبر الزمان معملًا للأفكار يوفر قاعات تدريسية مهيأة للطالب، إضافةً إلى مركز المعرفة الذي يضم مرافق وتجهيزات توفر معلومات يمكنها أن تدعم العملية التعليمية، وتعزز من بناء المعرفة. ولم يقتصر توجه سلطنة عمان فقط على التراث الثقافي، بل امتد ليشمل التراث الطبيعي؛ لذلك تم إنشاء عدد من المحميات الطبيعية في مناطق مختلفة، إضافةً إلى حديقة النباتات العمانية التي تهدف إلى إبراز الإرث الثقافي الفريد والمتنوع للنباتات العُمانية وما يرتبط بها من استخدامات وممارسات وعادات، وتوضيح مدى قوة الارتباط والتفاعل بين المجموعات البشرية وما يحيط بها من نظم بيئية.
ومن ناحيةٍ أخرى عملت سلطنة عُمان على إنشاء عدد من كراسي اليونسكو ضمن الجامعات والمراكز البحثية على المستوى المحلي والدولي؛ وذلك بهدف دعم البحث العلمي، وخلق الشراكات الدولية بين الجامعات والمؤسسات الأكاديمية والبحثية، وتطوير مجالات التعليم والعلوم والثقافة والبيئة.
فعلى المستوى المحلي توجد كراسي ترتبط بدراسة الكائنات البحرية والتقنيات الحيوية، والدراسات الجيولوجية والبيئية، والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، وإدارة التراث العالمي والسياحة المستدامة، ودراسات الأفلاج والهيدرولوجيا الاجتماعية. أما دوليًا فهناك كراسي السلطان قابوس التي أنشأت في مجموعة من المؤسسات الأكاديمية الدولية؛ بهدف دعم الدراسات المرتبطة بتعليم اللغة العربية والأدب العربي، والتاريخ والتراث والثقافة الإسلامية.
يضاف إلى ذلك مبادرات الجوائز الدولية التي تدعمها حكومة سلطنة عُمان لتشجيع البحث العلمي والتبادل والحوار الثقافي من أهمها جائزة السلطان قابوس لصون البيئة، وجائزة اليونسكو-السلطان هيثم لصون التراث الثقافي غير المادي التي تم الإعلان عنها مؤخرًا.
إن هذا الحضور والاهتمام بالتراث ضمن أولويات التعليم والبحث العلمي في سلطنة عُمان يؤكد أهميته الكبيرة كمصدر رئيسي للتعلم ونقل المعرفة، وترسيخ قيم الهوية والانتماء والمواطنة لدى الناشئة، لذلك من المهم توسيع دائرة توظيف التراث في تطوير استراتيجيات وسياسات التعليم من أجل تنمية مستدامة.
أ.د. ناصر بن سعيد الجهوري، قسم الآثار بجامعة السلطان قابوس
