خطة التنمية الخمسية القادمة والآليات الحكومية « 2/2 »
03 يناير 2026
03 يناير 2026
شهد نهاية الأسبوع المنصرم إطلاق خطة التنمية الخمسية الحادية عشرة (2026 –2030) التي تشكل الحلقة الثانية من حلقات تنفيذ «رؤية عُمان 2040» تنتهج الخطة نهج تقسيم برامجها وفق مسارين: المسار الاقتصادي والمسار التنموي متمحورة حول أهداف أهمها: بناء اقتصاد متنوع ومستدام، والتحول التدريجي لاقتصاد منخفض الكربون، وتعزيز عدم المركزية الاقتصادية للمحافظات، ورفع كفاءة سوق العمل والتشغيل إضافة إلى تعزيز التنمية الاجتماعية المستدامة والحوكمة والكفاءة المؤسسية. وفي سياق تحديد قاطرات النمو الاقتصادي تركز توجهات الخطة على قطاعات الصناعات التحويلية، والسياحة، والاقتصاد الرقمي كأولويات اقتصادية لتعزيز النمو غير النفطي والتنافسية.
على مستوى المؤشرات وضعت عدة سيناريوهات للمشهد الاقتصادي، وحسب السيناريو المعتمد فإنها تتضمن تحقيق متوسط نمو حقيقي للناتج المحلي الإجمالي بحدود 4%، كما تستهدف الخطة استحداث ما يربو على 300 ألف فرصة عمل مباشرة للعُمانيين في القطاعين العام والخاص، ومتوسط معدل تضخم لا يتجاوز 2%. خطة في المجمل العام يمكن القول عنها إنها واقعية قياسًا بمعطيات (الراهن المحلي).
ولعل أهم ما يميزها هو البناء المتدرج والمعقول على ما تحقق، ولكن يبقى الرهان مثلما ذكرنا في الجزء السابق من المقال في نوعية الآليات الحكومية التي ستستحدث لتوجيه وتنفيذ الأجندة الوطنية المرتبطة بالخطة بمستهدفات المرحلة.
تأتي الخطة في سياق مرحلة يتزايد فيها عدم اليقين العالمي؛ فعلى مستوى هياكل سوق العمل والتشغيل تشير التقديرات إلى أن ما يقرب من 50% من القوى العاملة العالمية ستتجه للعمل بنظام «العمل الحر» أو «المستقل» بحلول 2030، وهو ما يعني تغيرًا هيكيليًا يستدعي التفكير الدوري والمستمر في مرونة تشريعات وإجراءات تنظيم أسواق العمل، وعدم المراهنة على نموذج بعينه، أو برامج متوسطة المدى؛ فبقدر ما تستطيع الآليات الحكومية استيعاب النمط المتسارع لهذه المتغيرات، بقدر ما تستطيع جني أقصى ثمار إنتاجية القوى العاملة الوطنية، وتسخير إمكاناتها لخدمة أجندة التنمية.
وعلى مستوى القطاعات الصاعدة سيشهد العالم خلال الخمس سنوات القادمة طفرة كبرى في سياق اقتصاد الفضاء؛ حيث يُتوقع أن يصل حجم القطاع إلى 1.8 تريليون دولار بحلول 2035 ميزة هذا القطاع هو السعة الكبرى في سلسلة القيمة التي ترتبط به من الصناعة الثقيلة إلى البرمجيات المتقدمة، والبيانات، والخدمات، وهو ما قد يشكل فرصة استراتيجية لاختيار موضع مناسب لسلطنة عُمان في خريطة هذه السلسلة، وتبني آليات واستراتيجيات جادة وممكنة للريادة فيها.
وفي سياق آخر يستوجب ألا تغفل الآليات الحكومية المرتبطة بالخطة أن العالم مقبل على وتيرة متسارعة من الحرب الجديدة (حرب التضليل الواسع) التي تسخر التقنيات الحديثة، وأدوات التزييف لتضليل الرأي العام، وتمكين الحروب الإعلامية، وتعزيز حرب السرديات. تتوقع الأدبيات أن أكثر من 90% من المحتوى عبر الإنترنت بنهاية العقد الحالي سيكون مُنشأ أو معدلًا بواسطة الذكاء الاصطناعي؛ وبالتالي فإن هذا يعني فقدان القدر على السيطرة والمركزية.
وعلى الجانب الاجتماعي والسياسي؛ فإن ذلك يتطلب مزيدًا من الآليات الضامنة للتماسك الاجتماعي، وزيادة الثقة في عمل مؤسسات الدولة، والمزيد من تفاعل الأفراد مع السياسات العامة، هذا عوضًا عن حالة الانقسام السياسي في معسكرات التقنية العالمية التي ترى بعض التقارير أنها في طريقها نحو معسكرين (غربي بقيادة أمريكا، وشرقي بقيادة الصين)، وهو ما يعني حتمية التخير الاستراتيجي في مرحلة ما، وما يعني القدرة على التعامل مع القيود التي قد تفرض على استخدام التقنيات الحديثة - وفقًا لمصدرها والخيارات الاستراتيجية للدولة -.
هذه بعض المعطيات الأساسية لملامح السياق الذي سيجري فيه تنفيذ الخطة، عوضًا عن ذلك يجب عدم إهمال توقعات مثل تزايد موجة (التوريد من الحلفاء) في مقابل (عولمة التجارة العالمية)، وانتشار ظاهرة الإجهاد المائي تحديدًا في إقليم الشرق الأوسط، وتحول بعض الأمراض النفسية إلى أوبئة واسعة تهديد استقرار الأفراد والمجتمعات ونسق الإنتاجية والمشاركة الفاعلة في التنمية.
في سياق كل ذلك يتطلب تنفيذ الخطة آليات حكومية مستحدثة؛ لعل أهمها وجود استراتيجية متكاملة ومرنة للارتقاء برأس المال البشري، وعدم تجزئة المسألة إلى جزر منعزلة (تعليم، تعليم عالي، تدريب، تأهيل مهني..) إضافة إلى ضرورة وضع ما يُعرف بـ (المراجعات/ الخلوات الاستشرافية)، والفكرة منها أن يتم تخصيص أسبوع -على سبيل المثال، وليكن بنهاية العام الحكومي-؛ لمراجعة ما حقق والتفاكر فيه على مستوى القيادات، ليس فقط كمؤشرات أداء، وإنما في إطار المتغيرات الحادثة بمعنى طرح أسئلة: هل المسار الذي حدد لقضية ما ينسجم مع متغيراتها المحلية والإقليمية والعالمية؟ وإلى أي مدى يمكننا من التكيف مع المستقبل؟ وما آليات التكيف التي نحتاج إلى استحداثها للتعاطي مع تلك المتغيرات بوتيرتها المتسارعة؟
ومن الآليات التي يمكن التفكير فيها كذلك استحداث دورة برامجية متكاملة للتأهيل في القطاعات الواعدة؛ فإذا كانت الخطة حددت ثلاثة قطاعات رئيسية قاطرة لنمو وتنويع الاقتصاد فيستوجب أن تكون هناك مسارات واضحة لتأهيل القدرات التنافسية في هذه القطاعات، ليس فقط في البرامج الأكاديمية، وإنما من التعليم المهني في المدارس وصولًا للمؤسسات الأكاديمية، وليس انتهاء بالتدريب على رأس العمل، أو التطوير المهاري المتقدم، مما يعكس زخمًا لهذه القطاعات من ناحية، ومراكمة لرأس المال البشري والخبرات النوعية والمنتجة من ناحية أخرى.
الرسالة الأخيرة التي نود قولها في هذا الصدد أنه بقدر ما كانت الرسائل لـ(الداخل) واضحة بشأن توجهاتنا وأهدافنا التنموية، وبشأن طموحات المرحلة القادمة، من المهم أن تكون هناك رسالة واضحة لـ(الخارج)؛ فمن يتتبع مجمل الحملة الاتصالية المصاحبة لإعلان أجندة المرحلة الخمسية القادمة يجد أن الرسالة محصورة للداخل وحده. فالاندماج في المشهد العالمي، واجتذاب ثقة المستثمرين والسياح ومجتمع المال ورجال الأعمال العالمي ومجتمع الخبرات والمواهب يتطلبان كذلك على الجانب الآخر صياغة رسائل واضحة ومتسقة للخارج تعكس الأهداف والأجندة المعقولة والمنطقية التي نسعى لتحقيقها.
مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع، والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عُمان
