ثمة مخرج لترامب من إيران
ترجمة: أحمد شافعي
لو لم يكن الأمر واضحا من ذي قبل، فهو الآن واضح لا إنكار له. بدأ الرئيس ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الحرب مع إيران بفرض أنهما يعملان على تغيير سريع ويسير للنظام.
وقد استهانا استهانة بالغة بما بقي من القدرة لدى فلول القيادة الإيرانية وما لديهم من القدرة العسكرية لا على إلحاق الضرر بإسرائيل وحلفاء أمريكا العرب وحسب، وإنما على إغلاق أهم مسار لشحن النفط والغاز في العالم أيضا.
ويمثل هذا ضررًا جسيمًا بالاقتصاد العالمي، بما فيه سوق الأوراق المالية الأمريكي، ولا يملك ترامب أدنى فكرة عن كيفية الخروج من هذه الفوضى التي أحدثها ببدئه حربًا دونما تفكير في عواقبها.
إنه لأمر محرج حقا أن نشاهد الرئيس الأمريكي يتخبط، فيقول لنا إن القادة الإيرانيين المتبقين وافقوا إلى حد كبير على كل مطلب، وإن الحرب مشرفة على النهاية، وإن ترامب انتصر، ثم يعترف لنا بأنه لا يملك أدنى فكرة عن كيفية إخراج مسار الشحن في مضيق هرمز من قبضة إيران.
وإذا لم يرسل حلفاء أمريكا الغربيون -الذين لم يستشرهم ترامب قط قبل الحرب- جيوشهم وقواتهم البحرية لتنفيذ المهمة بالنيابة عن ترامب، فليتحمّلوا هم عواقب هذا، لأن لدينا كما يقول كل النفط الذي نحتاج إليه. هذا إذا لم يقرر ترامب «محو» -وهذه كلمته الأثيرة- قاعدة إيران الصناعية ومحطات التحلية لديها لكي ترضخ.
باختصار، ما نشاهده الآن هو ما يكون من الأمر حينما يوضع في المكتب البيضاوي شخص مضطرب متهور لم يترشح للرئاسة إلا بهدف الانتقام من خصومه السياسيين، ثم أحاط نفسه بمجلس وزراء اختارهم على أساس وسامتهم ونزوعهم إلى إعلاء الولاء لترامب على الولاء للدستور.
زد على ذلك أن الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ ومجلس النواب عازمة على إعطائه شيكا على بياض، بما يفضي في نهاية المطاف إلى عملية صنع قرار زلقة بعيدة عن الانضباط، من ضمنها بدء حرب ضخمة في الشرق الأوسط دونما خطط لما بعد هذه الحرب.
ترامب رجل صبياني يلعب بالثقاب -بأقوى جيوش العالم- في غرفة معبأة بالغاز.
ولو أن ذلك كله لم يكن كافيا، فإن لدينا وزير دفاع، هو بيت هيجسيث، ذا قناعات مسيحية قومية متطرفة، ويتردد أنه أقام الأسبوع الماضي صلاة في البنتاجون دعا فيها القوات الأمريكية إلى اللجوء إلى «العنف الطاغي ضد من لا يستحقون الرحمة... ونحن نطالب بهذه الأمور عن ثقة أكيدة في بأس وقوة اسم يسوع المسيح».
بعبارة أخرى، ثمة الآن محاربون لنا يواجهون إيران باسم الدين.
لو لم تكن هذه هي القيادة في بلدي -ولو لم تكن إيران في واقع الأمر هي القوة الأشد زعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط، ولو لم يكن تغييرها هدفًا ثمينًا من أجل شعبها وجيرانها- لاكتفيت بالاضطجاع في مكاني والفرجة، مستطيبا رؤية ترامب إذ يلقى جزاءه المستحق.
لكن البلد بلدي. وامتلاك إيران لقوة نووية تهديد من شأنه أن يطلق انتشارًا نوويًّا في جميع أرجاء الشرق الأوسط. ونحن جميعا من سيلقون الجزاء المستحق لترامب.
فما العمل؟ يجب أن ينصرف ترامب عن خطة السلام التي وضعها من خمس عشرة نقطة -إذ إن تنفيذها أمر معقد إلى درجة السخف- ويقصرها على نقطتين: أن تسلم إيران ما لديها من يورانيوم عالي التخصيب يكاد يصلح لصنع القنبلة ويتجاوز حجمه تسعمائة وخمسين رطلا، وفي المقابل تعدل الولايات المتحدة عن تغيير النظام.
ثم يتفق كلا الطرفين على إنهاء جميع الأعمال العدائية. فلا يكون هناك المزيد من القصف الأمريكي الإسرائيلي، ولا المزيد من صواريخ إيران وحزب الله، ولا المزيد من إغلاق مضيق هرمز، وطبعا لا يكون من مجال لإرسال قوات برية أمريكية إلى إيران.
قال جون أركويلا، أستاذ تحليل الدفاع السابق في كلية الدراسات العليا البحرية ومؤلف الكتاب وشيك الصدور (طريقة أمريكا المضطربة في الحرب): «علينا أن ندرك أن أكثر ما يريده النظام الإيراني هو البقاء في السلطة، وأن أكثر ما تريده الولايات المتحدة وإيران هو ألا تمتلك إيران قنبلة، وأن بوسع كلا الطرفين الحصول على أكثر الذي يريدان لو أنهما مستعدان للتخلي عن ثاني ما يريدان».
والجائزة الثانية بالنسبة لأمريكا وإسرائيل، بعد القضاء على اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب هي تغيير النظام. ولا يبدو أن هذا لا يزال مطروحا، فقد بدأ ترامب يرسي القواعد للتخلي عن هذا الهدف. إذ قال لصحفيين يوم الأحد إنه في ضوء قتل الولايات المتحدة وإسرائيل للعشرات من كبار القادة الإيرانيين فـ«إن الأمر تغييرٌ للنظام حقا». لقد بدا أن قادة إيران «مجموعة مختلفة تمام الاختلاف من البشر» الذين وصفهم بأنهم «في غاية العقلانية».
وهذا بالطبع سخف يرمي إلى التغطية على حقيقة أن الولايات المتحدة وإسرائيل غاليتا كثيرا في تقييم قدرتهما على الإطاحة بالنظام الإيراني اعتمادا على القوة الجوية دون غيرها.
لقد تردد أن الولايات المتحدة تفاوضت عبر باكستان مع رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف الذي تربطه علاقات وثيقة بالحرس الثوري في إيران وهو الجهة التي يبدو أنها القوة الحقيقية وراء المشهد. وقد تكون البقية الباقية من النظام الإيراني مستعدة فعلا للنظر في تسليم ما لديها من اليورانيوم في مقابل بقائها ونجاتها.
وطبعا، سوف تبقى مليون مشكلة عالقة بلا حل، ولكن هذا ما يكون عند محاولة استعمال القوة دونما أي تخطيط بعيد المدى لحل مشكلة عسيرة.
والمشكلة العسيرة، بصفة عامة، هي المشكلة التي تستعصي على الحلول السريعة أو الحلول الدائمة، فتتعلق بالعديد من المتغيرات المترابط بعضها ببعض. ولا تكون النتائج نهائية أبدا، فهي إما أفضل قليلا أو أسوأ قليلا أو لا بأس بها.
وكل مشكلة عسيرة هي جوهرية فريدة من نوعها، بمعنى أنه ما من نموذج مسبق مثالي لحلها، والحلول في الغالب تكون ذات عواقب لا يمكن التراجع عنها، بمعنى أنه ليس من السهل التراجع عن قرار، وهذا تقريبا هو أفضل تعريف للمشكلة الإيرانية يمكن أن يخطر لي.
وفي حين أنه لم يقلها قط في كلمات كثيرة، فلو نظرتم إلى أفعال الرئيس باراك أوباما في ما يتعلق بإيران، لرأيتم أنه كان يفهم بوضوح أنها مشكلة عسيرة ولذلك كان أحكَم مسارات العمل هو التركيز على المصلحة الأمريكية الجوهرية، ومحاولة ضمان تلك المصلحة وتعلم التعايش مع جوانب أخرى في المشكلة بتقليلها إلى أكبر قدر ممكن.
ذلك كان منطق اتفاقية أوباما مع إيران في عام 2015 المعروفة بخطة العمل الشاملة المشتركة التي فرضت قيودا يمكن التحقق منها دوليا على برنامج البلد لتخصيب اليورانيوم، وقراره بالتعايش مع ترسانة صواريخها البالستية المتنامية، ونشرها ميلشيات وكيلة في لبنان وسوريا واليمن والعراق، فهذه لم تكن تشكل تهديدا لأمريكا.
مضت اتفاقية أوباما مع إيران وفق المخطط لها. وحينما ترك أوباما السلطة، كانت القيود المفروضة على قدرات إيران في تخصيب اليورانيوم -الخاضعة لتحقق مفتشين دوليين- تعني أن إيران في حال خرقها للاتفاقية سوف تحتاج ما لا يقل عن عام لإنتاج القدر الكافي من المادة الانشطارية لصنع رأس نووي، بما يوفر وقتا لاتخاذ العالم رد فعل.
ومع ذلك، عمد ترامب -بتحريض من نتنياهو- على الانسحاب الأحادي من الاتفاقية في عام 2018. ولم يضع ترامب قط استراتيجية فعالة بديلة لمنع إيران من تأمين ما يكفي من اليورانيوم لصنع قنبلة. وحاولت إدارة بايدن أن ترتب فوضى ترامب لكنها لم تستطع أن تحمل إيران على الموافقة.
ولما رجع ترامب إلى السلطة، أهمل مرة ثانية صياغة البديل؛ فلم تعد إيران على بعد سنة من القنبلة كما كانت في ظل اتفاقية أوباما بل باتت على بُعد أسابيع بفضل انسحاب ترامب الطائش من استراتيجية أوباما دونما استراتيجية فعالة تحل محلها. والآن جعل ترامب المشكلة بهذه الحرب مشكلة شديدة العسر.
وهذا هو السبب في أننا بحاجة إلى تبسيط الأمر قدر الإمكان. يجب أن تقدم أمريكا ضمانات بأننا سوف ننهي الحرب، ونترك النظام الحاكم قائما، ونوقف تدمير بنية إيران الأساسية ونخفف بعض الشيء من العقوبات النفطية، في حال تسليم إيران جميع موادها الانشطارية شبه الصالحة لصنع الأسلحة وإيقافها جميع الأعمال العدائية من جانبها. وكل ما عدا ذلك يجري إرجاؤه ليوم قادم.
(وفي الوقت نفسه يتعين على النظام الإيراني الضعيف ضعفا بالغا أن يكون أكثر استجابة لمطالب شعبه).
وسيكون ترامب ذا حظ كبير إذا وافق الباقون من القادة الإيرانيين. وإنه لمقياس أكيد لعدم كفاءة ترامب أن يكون مصيره الآن بين أيديهم.
توماس فريدمان من كتاب الرأي في نيويورك تايمز منذ عام 1981
