ترامب يدفن استراتيجيته الأمنية

30 مارس 2026
30 مارس 2026

أيا كان رأي المرء في استراتيجية الأمن القومي الأمريكية التي نُشرت أواخر العام الماضي، فإنها على الأقل حددت بوضوح ما تعتبره إدارة الرئيس دونالد ترامب الثانية أولويات أمريكا الاستراتيجية. لكن ما إن صدرت الاستراتيجية حتى تخلت عنها عملية صنع القرار «الاستراتيجي» في الولايات المتحدة.

صحيح أن تركيز استراتيجية الأمن القومي الجديدة على نصف الكرة الغربي لم يكن مجرد تحول خطابي. إذ يتناسب اعتقال ديكتاتور فنزويلا، نيكولاس مادورو، وحملة الضغط المتنامية ضد كوبا، بوضوح مع الإطار الاستراتيجي الجديد.

شددت الاستراتيجية الجديدة أيضا على أهمية مواجهة الصين، بما يعكس التحول الأعرض في الأولويات الاستراتيجية الأمريكية على مدار العقد الماضي.

ورغم أن لغتها كانت أقل عدوانية من تصريحات سابقة، فإن الوثيقة لا تزال تعتبر منع الصين من تحدي الولايات المتحدة أولوية استراتيجية، ليس فقط في شرق آسيا بل على المستوى العالمي.

من ناحية أخرى، خُـفضت أهمية الشرق الأوسط، المنطقة التي جرّت الولايات المتحدة إلى «حرب أبدية» تلو الأخرى، بشكل أكثر حسما مقارنة بما كانت عليه الحال بموجب استراتيجيات الإدارات السابقة. تعلن استراتيجية ترامب في التعامل مع الأمن القومي أن «الأيام التي كان فيها الشرق الأوسط يهيمن على السياسة الخارجية الأمريكية في كل من التخطيط البعيد الأمد والتنفيذ اليومي انتهت لحسن الحظ».

لكن لم تكد تمر ثلاثة أشهر، حتى أصبحت الاستراتيجية الأمريكية مُـختلّة؛ فقد اندفع ترامب بتهور إلى حرب جديدة كبرى في الشرق الأوسط أهدافها دائمة التغير. ومع تصاعد الصراع، تزداد سيناريوهات النهاية قتامة وتعقيدا. قد تخسر الولايات المتحدة بعدم الفوز؛ وقد تفوز إيران بعدم الخسارة. إنها كارثة استراتيجية تتطور ببطء.

ربما كان ترامب، منتشيا بخمر قوة الولايات المتحدة الصلبة بعد حرب العام الماضي التي دامت 12 يوما مع إيران والعملية التكتيكية الباهرة في فنزويلا في يناير، يعتقد أنه قادر على فرض أمر واقع آخر في غضون أيام. كان الإغريق القدامى يطلقون على هذه العقلية مسمى «غطرسة العقل»، وحذروا من أنها تنتهي دوما تقريبا إلى الدموع. أو ربما جُـرّ ترامب إلى الصراع جرا من جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يسعى منذ سنوات عديدة إلى حرب مدعومة من الولايات المتحدة مع إيران. كان نتنياهو يعلم أن إسرائيل، على الرغم من كل قدراتها العسكرية الباهرة، لا تستطيع أن تصمد وتفوز في حرب شاملة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية بمفردها؛ وكان يعلم أنه سيجد، في ترامب، رئيسا أمريكيا يمكنه التلاعب به لخوض «نُزهة سريعة». هذه الديناميكية أيضا لها اسم: الذيل الذي يهز الكلب.

أيًا كانت الحال، هناك أمر واحد واضح: حرب ترامب الاختيارية تتعارض تماما مع نص وروح استراتيجية الأمن القومي التي وقعها هو نفسه في نوفمبر الماضي. قد تغرق الولايات المتحدة في مستنقع آخر في الشرق الأوسط. وليس من الواضح بالضبط ماذا قد يعني هذا بالنسبة للقوة الأمريكية وبقية الاقتصاد العالمي، لكن الدور الذي تضطلع به الولايات المتحدة محوري إلى الحد الذي يجعلها من غير الممكن أن تنسحب ببساطة من الفوضى التي خلقتها (على عكس إسرائيل، التي يمكنها الاعتماد على التهديد بضرب دول أخرى في المنطقة متى شاءت).

لذا، فقد تحولت سياسة «أمريكا أولا» الانعزالية الجديدة التي انتهجها ترامب إلى مغامرة طائشة، على حساب قدرة أمريكا على تحقيق الأولويات الاستراتيجية المدرجة في استراتيجية الأمن القومي. مع تصاعد الحرب مع إيران، لجأت الإدارة إلى نقل أصول أمريكية حيوية من أماكن أخرى. الآن، تُشحَن أنظمة الدفاع الجوي من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط، وحتى الأصل الأكثر أهمية المخصص للتدخل في آسيا، أو الوحدة البحرية الاستكشافية في أوكيناوا، في طريقه إلى هناك أيضا. في حين أعلن الرؤساء الأمريكيون السابقون عن «التوجه نحو آسيا»، فإن ترامب يقود التوجه نحو الشرق الأوسط. ولا شك أن الرئيس الصيني شي جين بينج يبتسم الآن بسخرية.

أما أوروبا، فهي تترنح. يعتبر معظم الأوروبيين النظام الإيراني بغيضا، ولن يفتقدوه إذا انهار. لكن قلة منهم يعتقدون أن الولايات المتحدة قادرة على تحقيق تغيير النظام والاستقرار في المنطقة عن طريق القصف ببساطة. الأسوأ من ذلك، أن ترامب اضطر إلى تخفيف العقوبات المفروضة على النفط الروسي، كما أن الأسلحة المخصصة لاستخدام أوكرانيا (التي دفع الأوروبيون ثمنها) تتأخر أو يُعاد توجيهها. وفي أعقاب تهديدات ترامب الأخيرة ضد جرينلاند، تآكلت الثقة الاستراتيجية عبر الأطلسي بسرعة. الأوروبيون باتوا وحدهم، وهم يعلمون هذا.

مثله كمثل شي جين بينج، يعد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أحد المستفيدين الرئيسيين من هذا المشهد البشع. مرة أخرى، يتحول انتباه أمريكا بعيدا عن أوروبا؛ وتستنفد مخزوناتها من الأسلحة؛ وتستمر مليارات الدولارات في التدفق إلى خزائن عائلة ترامب، لتتحول أقدم ديمقراطية في العالم إلى أضحوكة.

ولا يخلو الأمر من تشابه واضح بين الحرب الشاملة التي اختار بوتين شنها ضد أوكرانيا وحرب ترامب ضد إيران. في كلا الحالتين، اتخذ القرار المصيري زعيم استبدادي لم يرَ حاجة إلى التخطيط الدقيق أو التشاور مع الخبراء. لم يخطر ببال أي منهما أن قواته المسلحة ستفشل في القضاء على العدو بضربة واحدة.

لكن بوتين وترامب كانا على خطأ. فقد تحولت «العملية العسكرية الخاصة» في حالة بوتين إلى حرب مطولة أسفرت عن أكثر من مليون ضحية روسية، واستمرت «النزهة السريعة» التي شنها ترامب لفترة أطول كثيرا، وأثبتت كونها أكثر تكلفة من المتوقع بأشواط.

هذا يذكرنا بالسبب الذي يدفع القوى الكبرى إلى وضع وثائق استراتيجية رسمية في المقام الأول. فهي تركز انتباه القادة على التحديات، والقضايا، والاحتمالات طويلة الأجل، وكذا على السيناريوهات التي ينبغي تجنبها. لكنها لا تخدم هذا الغرض إلا إذا كَلَّفَ القادة أنفسهم عناء قراءتها.

كارل بيلدت رئيس وزراء ووزير خارجية سابق للسويد.

خدمة بروجيكت سنديكيت