ترامب وقانون الغاب

11 يناير 2026
11 يناير 2026

ينضح تقرير «أعلى المخاطر في عام 2026» الصادر عن مجموعة أوراسيا بهذا الاستنتاج. إن أقوى دولة في العالم والتي صممت النظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية تعمل الآن بنشاط على تفكيك هذا النظام، بقيادة الرئيس الأكثر حِرصا وقدرة على إعادة تشكيل دور أمريكا الدولي مقارنة بأي من أسلافه المعاصرين. حملت نهاية الأسبوع الماضي لمحة مما قد يعنيه هذا في الممارسة العملية. بعد أشهر من الضغوط المتصاعدة - العقوبات، والانتشار البحري الضخم، والحصار النفطي الكامل - اعتقلت قوات خاصة أمريكية الزعيم الفنزويلي القوي نيكولاس مادورو في كاراكاس ونقلته جوا إلى مدينة نيويورك لمواجهة تهم جنائية. لقد أُطيح بدكتاتور وقُدِّمَ إلى العدالة دون وقوع أي خسائر أمريكية - كان أنظف انتصار عسكري أحرزه الرئيس دونالد ترامب حتى الآن. أطلق ترامب بالفعل على نهجه في التعامل مع نصف الكرة الغربي مسمى «مبدأ دونرو»، نسخته المعدلة من تأكيد الرئيس جيمس مونرو في القرن التاسع عشر على سيادة الولايات المتحدة في الأمريكتين. ولكن في حين حذر مونرو القوى الأوروبية من التدخل في شؤون أمريكا، يستخدم ترامب الضغط العسكري، والإكراه الاقتصادي، وتصفية الحسابات الشخصية لإخضاع المنطقة لمشيئته. وهذه ليست سوى البداية. هذه ليست انعزالية «أمريكا أولا». ففي وقت واحد، أصبحت الولايات المتحدة أكثر - وليس أقل - تورطا مع إسرائيل ودول خليجية عديدة. ولا يشير استعداد ترامب لضرب إيران العام الماضي والتدخل في السياسة الأوروبية إلى تراجع. كما لا يتناسب إطار مناطق النفوذ مع ما يفعله. إذ يعني هذا الوصف ضمنا أن ترامب يقسم العالم مع قوى منافسة، على أن تبقى كل منها في مسارها الخاص. لكن إدارته أرسلت لتوها إلى تايوان أكبر حزمة أسلحة في تاريخها، وموقفها في منطقة الهادي الهندي لا يدل على رغبة في التنازل عن آسيا للصين.

لا تعتمد سياسة ترامب الخارجية على محاور تقليدية مثل الحلفاء ضد الخصوم، أو الديمقراطيات ضد الأنظمة الاستبدادية، أو المنافسة الاستراتيجية مقابل التعاون. الحسابات هنا أبسط كثيرا: هل يمكنك الرد بالقدر الكافي من القوة لإلحاق الضرر بالرجل المسؤول؟ إذا كان الجواب (كلّا)، وكنت تملك شيئا يريده، فأنت هدف. وإذا كان الجواب (أجل)، فمن المحتمل أن يكون بوسعك إبرام صفقة.

في حالة فنزويلا، كان ترامب يريد الإطاحة بمادورو، ولم يكن بوسع مادورو فعل أي شيء لمنعه. لم يكن لديه حلفاء مستعدون للتحرك، ولا جيش قادر على الرد، ولا نفوذ على أي شيء يهتم به ترامب. وعلى هذا فقد أُزيح عن الطريق. هذا ناهيك عن أن بنية النظام الفنزويلي بالكامل تظل سالمة، وأن أي انتقال إلى حكومة ديمقراطية مستقرة سيكون فوضويا، ومثيرا للجدال، وسوف تديره (أو تسيء إدارته) إلى حد كبير فنزويلا، وليس غيرها.

من الواضح أن ترامب راضٍ عن استمرار ذات النظام القمعي في حكم فنزويلا، ما دام يوافق على تنفيذ أوامره (الواقع أنه اختار هذا الترتيب على حكومة تقودها المعارضة). ويبدو أن التهديد بعِبارة «وإلا» لا يزال ناجحا حتى الآن. أعلن ترامب للتو أن السلطات «الجديدة» في فنزويلا ستسلم 30 إلى 50 مليون برميل من النفط إلى الولايات المتحدة، مع «سيطرتي، بصفتي رئيسا»، على العائدات. علاوة على ذلك، مهما كان استمرار النجاح في فنزويلا محدود التعريف، فسوف يشجع ترامب على مضاعفة الجهود في سلوك ذات النهج والمضي قدما - سواء في كوبا، أو كولومبيا، أو نيكاراجوا، أو المكسيك، أو جرينلاند. على الطرف الآخر من الطيف تقف الصين. عندما رفع ترامب الرسوم الجمركية العام الماضي، ردت الصين بفرض قيود على تصدير العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحَـرِجة - وهي مكونات أساسية تدخل في تصنيع مجموعة واسعة من المنتجات الاستهلاكية والعسكرية في القرن الحادي والعشرين. ومع انكشاف نقاط ضعف الولايات المتحدة، اضطر ترامب إلى التراجع. الآن، هو عازم على صيانة الانفراجة وتأمين الصفقة بأي ثمن. ما نتعامل معه هنا ليس استراتيجية كبرى، بل قانون الغاب، حيث تمارس أمريكا قوتها من جانب واحد حيثما رأى ترامب أنه قادر على الإفلات من العقاب، بعيدا عن المعايير، والعمليات البيروقراطية، وهياكل التحالفات، والمؤسسات المتعددة الأطراف التي كانت ذات يوم تمنح القيادة الأمريكية شرعيتها.

مع اشتداد القيود في أماكن أخرى - غضب الناخبين بشأن القدرة على تحمل التكاليف قبل انتخابات التجديد النصفي هذا العام على سبيل المثال، وتقلص نفوذ الولايات المتحدة التجاري - يحرص ترامب على ترسيخ إرثه. وسوف يزداد استعداده لخوض المجازفات على الجانب الأمني، حيث لا يزال غير مقيد إلى حد بعيد. يتصادف أن يكون نصف الكرة الغربي موطنا غنيا بالفرائس على نحو خاص - وحيث تتمتع الولايات المتحدة بنفوذ غير متكافئ لا قِـبَل لأحد بالتصدي له. الواقع أن ترامب قادر على إحراز انتصارات سهلة بأقل قدر من المقاومة والتكاليف. بيد أن النهج الذي يسلكه ترامب لا يقتصر على جوار أمريكا المباشر. إذا لم يكن ذلك واضحا بالفعل، فإن تهديدات الإدارة الأمريكية ضد جرينلاند تُظهِر أن أوروبا أيضا أصبحت في مرمى نيرانها. دخلت أكبر ثلاثة اقتصادات في القارة - المملكة المتحدة، وفرنسا، وألمانيا - العام الجديد بحكومات ضعيفة تفتقر إلى الشعبية وتحاصرها قوى شعبوية من الداخل.

ومع وجود روسيا على أعتابها، تدعم إدارة ترامب علنا الأحزاب اليمينية المتطرفة التي من شأنها أن تزيد من انقسام القارة. ما لم يجد الأوروبيون الطرق الكفيلة بتمكينهم من اكتساب النفوذ والعمل على نحو جدير بالثقة على فرض تكاليف باهظة في نظر ترامب - وفي أقرب وقت ممكن - فسوف يستشعرون ذات القدر من الضغوط التي يفرضها على نصف الكرة الغربي.

من منظور أغلب البلدان، أصبح الرد على الولايات المتحدة غير المتوقعة، وغير الجديرة بالثقة، والخطيرة أولوية ملحة الآن. سوف يفشل بعضها في حين ينجح بعضها الآخر. ربما فات أوان التكيف بالنسبة لأوروبا، لكن الصين في وضع أقوى، راضية بالسماح لمنافستها الرئيسية بتقويض نفسها بنفسها. والرئيس الصيني شي جين بينج قادر على خوض مباراة طويلة. فسوف يظل في السلطة لفترة طويلة بعد انتهاء ولاية ترامب في عام 2029. سوف يستمر الضرر الذي لحق بالقوة الأمريكية ذاتها إلى ما بعد رحيل هذه الإدارة. لا شك أن التحالفات، والشراكات، والمصداقية ليست مجرد مزايا من اللطيف اكتسابها. بل هي عوامل تُضاعِف القوة، وتمنح الولايات المتحدة قدرا من النفوذ لن يتسنى للقوة العسكرية والاقتصادية الخام وحدها الحفاظ عليه. الآن، يستنفد ترامب هذا الإرث، ويعامله باعتباره قيدا وليس أصلا مهما. إنه يحكم كما لو أن القوة الأمريكية تعمل خارج نطاق الزمن، وكأنه قادر على إعادة تشكيل العالم بالقوة دون عواقب دائمة. لكن التحالفات التي يمزقها الآن لن تعود إلى ما كانت عليه بمجرد تولي الرئيس القادم منصبه. سوف تستغرق عملية إعادة بناء المصداقية التي خسرتها أمريكا جيلا كاملا، هذا إن كان من الممكن إعادة بنائها على الإطلاق.

لهذا السبب يُـعَـد 2026 عاما فاصلا - ليس لأننا نعرف إلى أي حال قد تنتهي الأمور، بل لأننا بدأنا بالفعل نرى ما يحدث عندما تقرر الدولة التي وضعت القواعد أنها لم تعد راغبة في الالتزام بها.

إيان بريمر مؤسس ورئيس مجموعة أوراسيا وشركة جي زيرو ميديا، وعضو في اللجنة التنفيذية للهيئة الاستشارية رفيعة المستوى التابعة للأمم المتحدة والمعنية بالذكاء الاصطناعي.

خدمة بروجيكت سنديكيت