ترامب سبب انهيار سوق النفط.. والثمن يدفعه الجميع

30 مارس 2026
30 مارس 2026

ترجمة: أحمد بن عبدالله الكلباني -

مرّ النظام العالمي بفترة تُعد «نهاية»، وذلك بعد الحرب العالمية الثانية، لذلك أصبحت كل القوى العظمى اليوم «دولا مارقة»، أي أنها لا تلتزم بالاتفاقيات أو القرارات الدولية، وتتحدى القوانين أو الأعراف الدولية، إلى جانب أنها تتبنّى سياسات تُعد تهديدا للأمن أو الاستقرار العالمي، وفي أحايين كثيرة تُتّهم بدعم جماعات مسلحة أو تطوير أسلحة محظورة.

فروسيا تحاول إعادة بناء الإمبراطورية القديمة، وتفشل في محاولاتها، وتطلق الصين تهديداتها في المنطقة وتشكل خطرا على جيرانها، ولكن من ناحية «الجنون والفوضى» فلا دولة يمكنها التفوق على الولايات المتحدة الأمريكية في عهد «دونالد ترامب»، ويمكن أن تُنسب عمليات «الجنون والفوضى» إلى عدد من الإجراءات التي اتخذتها واشنطن، بداية بفرض تعريفات جمركية مؤثرة على الأسواق العالمية، وتهديدها بغزو جرينلاند، وها هي الآن تكون سببا كبيرا في الفوضى العالمية جراء دخول الحرب مع إيران، وصاحب ذلك أزمة عالمية في الطاقة.

ومن الناحية العسكرية يمكن اعتبار أن الولايات المتحدة قد حققت انتصارات كبيرة على إيران، فقد دُمّرت العديد من منصات إطلاق الصواريخ، وقُضي على أبرز قادتها، إلى جانب السيطرة على سمائها، معتبرة أن كل ذلك تم بأقل الخسائر، وفي المقابل جاء الموقف الإيراني متطابقا تماما مع ما توقعه الجميع في هذه الحرب الكبرى، ونستثني من ذلك توقعات «دونالد ترامب» وزمرته القيادية.

وقد أغلقت إيران مضيق هرمز، وهو مضيق مهم اقتصاديا، ويعبر منه ما بين 20 إلى 25% من إجمالي النفط والغاز المسال العالمي، كما قامت إيران بمهاجمة عدد كبير من السفن مما أدى إلى تضررها، الأمر الذي دفع بالكثير من رواد التجارة العالمية إلى تجنب المرور عبر المضيق.

ولا بد من الإشارة إلى أن الطلب على النفط والغاز المسال الطبيعي لا يُعد طلبا مرنا، بمعنى أنه عند انخفاض العرض يرتفع السعر بشكل حاد جدا، وهذا أمر طبيعي.

ما يشهده العالم جراء هذه الحرب قد يُعتبر أحد أكبر اضطرابات النفط في التاريخ، وإذا لم يتراجع «دونالد ترامب» عن قراره ويوقف هذه الحرب بأقرب وقت، فمن المرجح جدا بأن هذا الاضطراب لن ينتهي قريبا.

ارتفاع الأسعار شهده العالم بأسره، بما فيها آسيا، التي تستورد الغاز على هيئته المُسالَة، وذلك بسبب إغلاق مضيق هرمز، وكذلك بسبب الهجمات الإيرانية على البنية التحتية للغاز الطبيعي المسال في قطر.

ويتزامن مع ارتفاع أسعار النفط، ارتفاعٌ في أسعار البنزين أيضا، ففي الولايات المتحدة الأمريكية، حيث ارتفع جالون البنزين إلى 4 دولارات، وهو السعر الأعلى له تقريبا، إذا ما استثنينا الفترة التي أعقبت بدء الحرب الأوكرانية مباشرة.

وبالنسبة للمجتمع الأمريكي فإن وضعه أفضل حالا من معظم مجتمعات دول العالم؛ إذ تتفاقم أزمة نقص الوقود، ودول آسيا تحديدا الأكثر تضررا؛ فهي تحصل على مواد الطاقة عبر مضيق هرمز.

ولن يشعر أحد بحجم الأزمة قدر ما تشعر بها دول آسيا، التي يصل إليها 90% من النفط والغاز عبر مضيق هرمز، لذلك توجهت الحكومات الآسيوية إلى تطبيق العمل عن بُعد، أي أن يعمل الموظفون من منازلهم، إلى جانب تقليص أيام العمل الأسبوعية، وأعلنت كذلك عن منح الموظفين إجازات عديدة لمناسبات وطنية، وقد اتخذت إجراءات للحد من استخدام الطاقة، من ذلك إغلاق الجامعات مبكرا مقارنة بالوضع الطبيعي، حتى إن الصين التي يُعتقد أنها تملك احتياطيا كبيرا من الطاقة ويساوي ما يُقدَّر بإمدادات ثلاثة أشهر، قامت هي الأخرى باتخاذ إجراءات عديدة للحد من استخدام الطاقة، حيث شهد المواطنون ارتفاعا بالأسعار يُقدَّر بـ 20%.

فيما تشهد الهند حالة من القلق المتزايد نتيجة نقص الوقود، حيث بدأت طوابير التزود بالوقود بالاصطفاف في مختلف أنحاء البلاد، وفي السياق ذاته أعلنت الفلبين حالة الطوارئ الوطنية، مع دراسة خيار تعليق الرحلات الجوية، فيما تدرس أستراليا إمكانية فرض نظام تقنين للوقود على مستوى البلاد.

وعلى الصعيد الجيوسياسي، من غير المرجح أن تسهم هذه التطورات في تحسين صورة الولايات المتحدة أو تعزيز رصيدها من القبول الدولي، فرغم أن إيران لا تُعد نظاما وديا، إلا أن واشنطن بادرت بمهاجمتها وتحييد قيادتها دون مبررات مباشرة وواضحة، ومن دون خطة طويلة المدى أو استراتيجية خروج محددة، الأمر الذي جعل دولا أخرى حول العالم تتحمل تبعات هذا السلوك المتقلب والفوضوي.

وهذا ما يعزز الانطباع بأن الولايات المتحدة باتت أشبه بـ«قوة منفلتة»، تستخدم نفوذها بصورة عشوائية وغير منضبطة، تاركة الآخرين يواجهون النتائج. وعلى الرغم من هذا المشهد المضطرب، فإن التداعيات الاقتصادية لا يُرجح أن تكون كارثية بقدر ما هي محدودة نسبيا.

وقد دأب الاقتصاديون منذ عقود على دراسة أثر صدمات الطاقة، لا سيما خلال سبعينيات القرن الماضي، حين شهد العالم أزمتين نفطيتين بارزتين؛ الأولى على خلفية حرب أكتوبر عام 1973 والحظر النفطي، والثانية عقب الثورة الإيرانية عام 1979، وغالبا تُربط تلك الصدمات بظاهرة تُسمى «الركود التضخمي» التي اتسمت بضعف النمو وارتفاع البطالة والتضخم في آن واحد.

ورغم أن البعض يرى احتمال أن يتكرر هذا السيناريو، إلا أن ذلك يظل محل شك، إذ يجادل عدد من الاقتصاديين بأن تضخم السبعينيات لم يكن سببه النفط وحده، إلى جانب أن الاقتصادات الحديثة أصبحت أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع مثل هذه الصدمات، نتيجة تحسن السياسات النقدية وتراجع الاعتماد النسبي على النفط.

وتشير التقديرات إلى أن ارتفاع أسعار النفط في الوقت الراهن لا ينعكس بالحدة نفسها التي كان عليها في الماضي، فحتى مع الزيادة الكبيرة الأخيرة، فإن التأثير المتوقع يتمثل في ارتفاع محدود في معدلات التضخم وتراجع نسبي في النمو الاقتصادي، وهي نتائج تُعد مزعجة لكنها لا ترقى إلى مستوى الانهيار.

كما أن مؤشرات الأسواق لا تعكس حتى الآن توقعات بحدوث صدمة تضخمية كبيرة، إذ لم ترتفع تكاليف الشحن بشكل ملحوظ، كما أن توقعات التضخم ما زالت ضمن نطاقات معتدلة، الأمر الذي يعزز من فرضية أن الاقتصاد العالمي قادر على امتصاص هذه الصدمة.

ومع ذلك، لا تخلو الصورة من دواعي القلق؛ إذ يُنظر إلى هذه التطورات على أنها نتيجة لقرارات يمكن اعتبارها «إصابات ذاتية»، خاصة في ظل سياسات سابقة مثل التعريفات الجمركية، وهو ما ساهم في تزايد حالة الاستياء داخل الولايات المتحدة، حيث يُبدي المواطنون حساسية عالية تجاه ارتفاع أسعار الوقود، حتى أكثر من تأثرهم بالتضخم العام.

ومن شأن استمرار ارتفاع أسعار البنزين أن يفاقم هذا الاستياء، ويؤثر على المزاج العام، خصوصا مع تزايد الانتقادات الموجهة للسياسات الاقتصادية الحالية، وهو ما انعكس في تراجع مستويات الرضا الشعبي.

ولا يقتصر التأثير على الولايات المتحدة وحدها، إذ تشير دراسات إلى أن اقتصادات أوروبا والمملكة المتحدة أكثر تأثرا بارتفاع أسعار النفط، كما أن الدول النامية قد تواجه انعكاسات أشد، خاصة فيما يتعلق بارتفاع أسعار الغذاء المرتبطة بتكاليف الطاقة.

وفي المحصلة، يمكن القول إن الحرب على إيران -وإن لم تؤدِ إلى كارثة اقتصادية شاملة- تمثل عبئا إضافيا على الاقتصاد العالمي، دون أن تقترن بمكاسب استراتيجية واضحة، إذ لا تبدو هناك مؤشرات حقيقية على قدرة هذه الحرب على إنهاء البرنامج النووي الإيراني أو إحداث تغيير جذري في بنية النظام القائم.

ومن هنا يبرز التساؤل حول جدوى هذه الحرب في الأساس، وهو سؤال قد لا يحمل إجابات مريحة، لا سيما بالنسبة للقيادة الأمريكية وأنصارها.

نوح سميث كاتب أمريكي مختص في الشأن الاقتصادي

نقلا عن آسيا تايمز