ترامب يدرس حماقة إرسال قوات برية إلى إيران.. كيف؟!

30 مارس 2026
30 مارس 2026

ترجمة: أحمد شافعي -

يزداد القلق، وحق له أن يزداد، من أن يرسل دونالد ترامب وقد بات ظهره إلى الجدار قوات أمريكية برية للقتال على الأراضي الإيرانية اجتنابا لمذلة شخصية وسياسية في حرب هو الذي بدأها وأساء إدارتها ويعجز عن إنهائها.

غير أن هذا التصعيد الذي لا يخدم إلا ذاته كفيل، وإن كان ظاهريا محدود المدة والنطاق، بأن يكون وبالا عليه وعلى الشعب الأمريكي، وانظروا إلى ما حدث في التدخلات العسكرية الأمريكية السابقة.

والأمر باختصار أن ترامب عالق في مأزق. وانتقوا أنتم الاستعارة التي تفضلونها للحماقة. قولوا إنه في حيص بيص، أو بين المطرقة والسندان، أو أنه اختلط عليه الحابل بالنابل. والخلاصة هي أن المأزق يتمثل بطبيعة الحال في مضيق هرمز.

يصر ترامب، الحبيس في عالم خيالي لا يمت بصلة للواقع، على أن الحرب تكللت بالنصر، وعلى أن إيران تطلب السلام، وعلى أن المحادثات تحقق تقدما طيبا. أما في العالم الحقيقي، فلا تزال إيران تقاتل على جميع الجبهات، ولا تزال إسرائيل تقوم بالقصف، ولا يزال مضيق هرمز مغلقا إلى حد كبير، وجماعة أنصار الله الحوثي المتحالفة مع إيران انضمت إلى الحرب وتهاجم إسرائيل، وقد تغلق مسارات التجارة في البحر الأحمر.

وقد أصدرت الولايات المتحدة وإيران مطالبهما القصوى، لكن ما من بوادر لمفاوضات حقيقية. بل إن البلدين متباعدان الآن أكثر مما كانا قبل أن يتخلى ترامب ـ بدفع من بنيامين نتنياهو ـ عن الدبلوماسية في الشهر الماضي. وعما قريب سوف يضطر ترامب إلى مواجهة الفجوة الضخمة بين ما يريده وما يمكنه أن يقدمه. وعندها قد يلجأ إلى حشد قوات في الخليج والأمر بهجمات برية.

كيف وصل الأمر إلى هذا؟ إنه لأمر لا يصدق أن نفكر بعد كل ما كان من ألم وكرب رهيبين في العراق وأفغانستان في أن رئيسا للولايات المتحدة قد يفكر جديا في إرسال قوات برية إلى الشرق الأوسط. وتزداد الحيرة حينما يكون الرئيس المعني هو ترامب، الذي طالما انتقد في صخب المغامرات الخارجية باهظة التكاليف. غير أن هذا ليس بحظ عاثر أو قدر معاكس، ولكنه نتيجة سياسة مقصودة؛ فلو أن الولايات المتحدة تواجه خيارات مستحيلة، فالمسؤولية كاملة في هذا تقع على كاهل ترامب، ولو أنه قطعا سوف يلقي اللوم على غيره، وسيكون الهدف هنا هو بيت هيسجيث أمير الحرب البنتاجوني الكاريكاتوري المأزوم.

يواصل البيت الأبيض ـ في تجاهل للوقائع القائمة على الأرض ـ الجعجعة وبث الأكاذيب. ومن الواضح تماما أن ترامب يعيش حالة إنكار للواقع، إذ يزعم أن تغيير النظام قد تحقق بالفعل عن طريق الاغتيالات.

وقد درج ترامب على عادة غريبة إذ يتصرف وكأنه متفرج منفصل عن الأحداث الفوضوية التي تسبب هو نفسه فيها؛ فهو يتصرف وكأن صدمة الطاقة العالمية وفشل الولايات المتحدة المزري في الدفاع عن مضيق هرمز وعن حلفائها في الخليج، وصمود إيران العنيد في مواجهة النيران، وعدم قيام الانتفاضة التي كانت متوقعة في طهران، أمور لا تمت له هو بصلة. وهو لا يفهم أن إيران تقاتل في حرب غير متكافئة، وأنه حتى أضخم القنابل تعجز عن تدمير الكبرياء والأيديولوجية والإيمان والتاريخ.

ويزداد ترامب انعزالا ووحشة. فأصدقاؤه العرب الأثرياء وشركاؤه في التجارة ما عادوا يثقون فيه. وقواعد الولايات المتحدة القائمة في أراضيهم باتت الآن أشبه بالعبء منها بالحصن. وحينما طلب مساعدة الناتو أجابت أوروبا طلبه بقولها: سنفكر ونرد عليك. وبالمثل، يبدو أكراد إيران عازفين عن الموت من أجل أحمق. وتأييد الحرب من الشعب الأمريكي ومن يمين حركة ماغا الضعيف على الدوام ليس إلا وهما سريع التلاشي. ونتنياهو الذي دفعه في الأصل يرفض الآن إنقاذه أو حتى أن يتوقف عن قصف كل ما تقع عليه عيناه. فما أشد حماقة ترامب حينما صدق تأكيد إسرائيل له بشأن النصر السريع. أما عن إيران، فإن قيادتها المتبقية، الخاضعة لسيطرة الملالي، تعتقد أنها تحقق النصر. وتزداد تشددا من يوم إلى يوم.

تخيل نفسك واحدا من آلاف مشاة البحرية والمظليين الأمريكيين الذين ينتشرون حاليا في الخليج. ومن يكن قائده الأعلى ترامب فهل ينقصه الأعداء؟ ويزداد الأمر بأن الكثيرين كامنون يترصدون. فقوات إيران المسلحة تضم ستمائة وعشرة آلاف فرد، فضلا عن احتياطي يبلغ ثلاثمائة وخمسين ألفا. وربما لا يكون النظام الحاكم قادرا بعد على القتال جوا أو بحرا، لكن له على البر أرضا يألفها وقد يكون مستعدا في نهاية المطاف للتضحية بـ«موجات بشرية» من القوات، مثلما حدث في ثمانينيات القرن الماضي إبان الحرب الإيرانية العراقية، فهو بذلك خصم عنيد. ويقول الحرس الثوري الإيراني إنه على استعداد لأن يقصف أراضيه قصفا شاملا في حال التعرض للغزو.

لو أمر ترامب بهجمات برية ـ وقد ناقش هو ونتنياهو هذا الاحتمال علنا ـ فالأرجح أن الأهداف سوف تتمثل في البطاريات الساحلية، والدفاعات الصاروخية، وقواعد الزوارق السريعة المسلحة المخبأة المنتشرة على طول الجانب الشمالي من مضيق هرمز. ومن المتوقع أيضا الهجوم على ميناء خارك لتصدير النفط في أعلى الخليج. وتشتهر خارك بأنها الجزيرة المحظورة التي قد يكون اجتياحها أيسر من السيطرة عليها. وسيكون الهدف من تلك الغزوات هو إعادة فتح المضيق بالقوة لتخفيف أزمة الطاقة ولتقوية موقف ترامب في المفاوضات.

غير أن المخاطر العسكرية المحتومة رهيبة. فالخسائر في الأرواح سوف تكون حتمية. وحتى إذا مضت العمليات على ما يرام في المدى القصير، فسوف تنشأ على الفور أسئلة متعلقة بالتصعيد المحتمل عندما ترد إيران، فيتوسع نطاق العمليات، ويستمر احتلال الأرض. أما إذا لم تسر العمليات على النحو المنشود فسوف تعلو المطالبات بالتعزيز، وهذا هو السيناريو القاتم الذي يألفه كل من يتذكر التوسع التدريجي للعمليات في العراق وأفغانستان. والأخطر من ذلك، بل ما قد يرقى إلى الانتحار، هو الخيار الآخر المطروح: أي إرسال الولايات المتحدة وإسرائيل قوات خاصة إلى أعماق الداخل الإيراني للاستيلاء على مخزون إيران المخبأ من اليورانيوم عالي التخصيب وشديد الخطورة.

فهل يرغب ترامب حقا ـ بتهديداته الصبيانية الخاصة بالغضب الملحمي والعقاب الجهنمي ـ في إطلاق شرارة هذا الكابوس؟ من شأن شخص عقلاني أن يشقى من أجل اجتنابه. وعلى أحد المستويات، ينعكس في مزاعم ترامب ـ التي لا يخفى ما فيها من يأس والمشكوك فيها بشدة بأن إيران «تتوسل» سرا من أجل السلام ـ إدراكه أن من شأن حرب برية مفتوحة ومهلكة أن تجهز على حكمه. وتتمثل مشكلته في أن النظام الإيراني يعرف هذا أيضا. ولذلك فمن المنطقي تماما أنه سوف يستمر في رفض خطة ترامب للسلام المؤلفة من خمس عشرة نقطة ـ والتي ترقى إلى المطالبة بالاستسلام التام ـ مع رفع سقف مطالبه. وتتضمن المطالب الإيرانية إنهاء للعدوان الأمريكي الإسرائيلي، وسيادة لا نزاع فيها على مضيق هرمز، وتعويضات مالية، ورفعا للعقوبات.

وأي اتفاقية تخفق في تحقيق الحد الأدنى من المطالب الأمريكية الإسرائيلية ـ وهي تحديدا القضاء الحاسم على برامج أسلحة إيران النووية وصواريخها البالستية وتوقف طهران عن دعم الجماعات الإقليمية المتحالفة وضمان حرية الملاحة في الخليج ـ

سوف يعد هزيمة لترامب. ومن الواضح الآن أنه يريد إنهاء الحرب لكن بشروطه، باتفاقية أعلى من تلك التي حققها باراك أوباما في عام 2015 (ثم رماها ترامب في سلة القمامة بعد ذلك). وإيران المتألمة والجريحة، والصامدة أيضا، لن تمنح ترامب ما يريد. ومن ثم فالخياران المتاحان أمام ترامب هما هذان: الاستسلام أو التصعيد.

فماذا يقال في هذا المنعطف الرهيب؟ هذه الحرب غير المشروعة ما كان ينبغي قط أن تقوم. لكن ترامب تصرف بحماقة وانتهازية. ونتنياهو أيضا ملوم لوما كبيرا. فلم تكن الأخطار «وشيكة». والمبرر الأكثر إقناعا للحرب ـ أي الوعد بتحرير الإيرانيين من الطغيان ـ تم التخلي عنه. والمفاوضات بغير شروط مسبقة من كلا الجانبين هي المخرج العاقل الوحيد. فعلى ترامب أن ينصرف عن كبريائه، ويعترف بالخطأ الذي ارتكبه، ويتقبل الخزي. غير أن العالم كله يعلم أن فكرة احتمال قيام أشد القادة الأمريكيين غطرسة وتهورا ونرجسية بهذا فكرة شديدة الحماقة.

لقد كان أكيدا أن ولاية ترامب الرئاسية الثانية سوف تنتهي بكارثة. وها هي الكارثة.

سيمون تيسدال معلق الشؤون الخارجية في صحيفة ذي جارديان.