الباحثون عن عمل ومسارات الحل
عبر ما يمكن أن نستقرئه من المشاهدات المحلية داخل وطننا عُمان، وإلى جانب المشاهدات الإقليمية والعالمية، يتبين لنا أن مشكلة شح الوظائف وصعوبة الدخول إلى سوق العمل أزمة عالمية تعانيه دول كثيرة، ويكاد أن بعض الدول الإقليمية تسجل معدلات أعلى من سلطنة عُمان في أعداد الباحثين عن عمل. ولست بصدد التحدث بلغة الأرقام وتعقيداتها، ولكنني سأركز على ثلاثة مسارات أرى فيها كثيرا من الحلول التي تتمثل في القطاعين الحكومي والخاص والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة. رغم ما يواجه هذه القطاعات من تحديات بشأن قدرتها على التعامل مع ملف الباحثين عن عمل واستيعابهم، فلا أرى أننا علينا التسليم بهذه التحديات؛ فنحتاج إلى أفكار يمكن أن تسهم في التخفيف من هذه المشكلة، ويمكن بواسطتها إتاحة مساحة أكبر للقطاع الحكومي لاستيعاب أعداد إضافية من الخريجين العُمانيين. نحتاج كذلك إلى دراسة سوق العمل في القطاع الخاص بعناية نظرا إلى قوته وقدرته على صناعة الفرص وتوظيف الكثير من الباحثين عن عمل. كذلك حال المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تتطلب تسليط الضوء عليها لأهميتها في توفير حلول لملف العمل.
لنبدأ أولا بسوق العمل في القطاع الحكومي، الذي أجد أن أحد أسباب محدودية قدرته على استيعاب أعداد كبيرة من الخريجين يعود إلى كثرة الموظفين واستمرارهم في الوظائف إلى درجة وصول كثير من المؤسسات الحكومية مرحلة التشبع الوظيفي. ولمواجهة هذا التحدي، نحتاج إلى إعادة النظر في أنظمة التقاعد ومراجعتها؛ بحيث تتاح خيارات أكثر مرونة للتقاعد المبكر للموظفين-في القطاعين العام والخاص- الذين استوفوا مدة خدمة لا تقل -مثلا- عن عشرين عاما؛ لنصنع بذلك مساحة وظيفية لجيل جديد من الشباب ليحل محل من يختارون التقاعد.
ولعل هناك من يضعنا أمام تحدّ آخر، يتمثل في أن صندوق الحماية الاجتماعية لا يحتمل زيادة أعداد المتقاعدين وما يترتب عليها من التزامات مالية كبيرة، وهذا أمر نقره، ولكن لا ينبغي أن نجعله شماعة تعوق رؤيتنا؛ حيث إننا لا تنقصنا الخبرات للتفكير في حلول لمضاعفة القدرات الاستثمارية للصندوق، والبحث عن فرص أكثر كفاءة لتنمية أصوله، ويحقق قدرا من التوازن بين موارده والتزاماته؛ فيستوعب أعدادا أكبر من المتقاعدين ويتحمل مستحقاتهم المالية المترتبة على تقاعدهم. ولدينا في جهاز الاستثمار العُماني مثال على الإدارة الاستثمارية الناجحة التي يمكن الاستفادة من خبراتها وتجربتها.
أما القطاع الخاص، فإنني أراه القطاع الذي يحوز النصيب الأعلى في قدرته على معالجة قضية الباحثين عن عمل، وخصوصا أن نموه في عُمان بات ملحوظا في السنوات الأخيرة، مدفوعا بجملة من العوامل الاقتصادية والجغرافية والسياسية. وبلا شك، نرى للأحداث التي شهدتها المنطقة مؤخرا دورا في إظهار ما تتمتع به عُمان من استقرار سياسي وأمني، وقدرتها على التعامل بمرونة وحكمة مع الأزمات الإقليمية وتوتراتها. كذلك أظهر الاقتصاد العُماني صمودا أمام التقلبات الجيوسياسية والاقتصادية بما في ذلك قطاعات النفط والطاقة التي كانت أقل تضررا في المنطقة. لا ننسى أيضا موقع عُمان البحري والإستراتيجي، وامتداد سواحلها على خط بحري طويل؛ ليمنحها قدرة على الارتباط بالأسواق المحلية والإقليمية والعالمية، ويؤهل موانئها ومناطقها الاقتصادية لتكون مراكز مهمة للتجارة الصناعية والخدمات اللوجستية.
بوجود هذه العوامل، نحن أمام فرص اقتصادية يمكن أن تنمو عن طريق توطين الاستثمارات الخاصة المحلية، وجذب المزيد من المستثمرين والشركات العالمية لإنشاء مشروعات واستثمارات اقتصادية كبيرة. ومع اتساع النشاط الاقتصادي ونمو مشروعاته؛ تزداد الحاجة إلى قوى بشرية مؤهلة ومتنوعة، وأرى أن الأولوية -بنسبة كبيرة- للوظائف التي تنشأ عن هذه المشروعات ينبغي أن تكون من نصيب الشباب العُماني الذي يمتلك الطموح والقدرة على التعلم والتأقلم واكتساب الخبرة.
لذلك، فإننا بحاجة إلى مراجعة شاملة ومستمرة للتشريعات والسياسات المنظمة للتعمين في القطاع الخاص. وكما أسلفنا آنفا، فإن ما تتمتع به سلطنة عُمان من موقع جغرافي مهم، واستقرار سياسي، وبيئة جاذبة للاستثمار، يمنحها قدرة تفاوضية تمكنها من وضع شروط واضحة وعادلة للمستثمرين، تضمن بواسطتها أن ينعكس نمو الاستثمارات والمشروعات الاقتصادية بصورة مباشرة على توفير الوظائف للكوادر العمُانية. ولا أتصور -بهذه المطالب- أننا نمارس الأنانية الاقتصادية، كونها مطالب عادلة نحاول عن طريقها أن نجمع بين جذب الاستثمارات ورفع نسب التعمين، ونضاعف من قدرات الكوادر الوطنية. هذا ما ينسجم أيضا مع «رؤية عُمان 2040» المعنية بتمكين القطاع الخاص ليكون محركا للاقتصاد الوطني وشريكا رئيسا في إيجاد فرص العمل وإحلال الكفاءات العُمانية المؤهلة محل القوى العاملة الوافدة.
أما عن مسارنا الثالث المرتبط بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الذي لا يقل أهمية عن المسارين السابقين؛ إذ لا يخفى على أحد أن هذه المؤسسات ذات تأثير اقتصادي واجتماعي في دول العالم، ونحن جزء من هذا العالم، وبدأنا مؤخرا نشهد نموه وتأثيره في الداخل العُماني، فيمكن أن نعزي هذا النمو إلى أسباب كثيرة، من بينها ارتفاع أعداد الباحثين عن عمل؛ فكان دافعا إيجابيا في تأسيس المشروعات الناشئة الخاصة، وهذا ما تعتمد عليه دول متقدمة ونامية في نمو اقتصاداتها.
لكن لا يمكننا أن نزعم أن الطريق سهل أمام جميع الشباب؛ فليس كل شاب قادرا بالضرورة على البدء بمشروعه الخاص وإدارته بنجاح، فيتطلب نجاح المشروعات عوامل كثيرة بدءا من الفكرة المناسبة ووصولا إلى المهارات التسويقية والإدارية وتحمل المخاطر والصبر والاستمرار. مع ذلك نجد -وبكل موضوعية- أن فئة كبيرة من الشباب العُماني يمتلك هذه العوامل، ويثبت ذلك ما نلحظه من نجاحات حققته مشروعات عُمانية تتمثل في أفراد ومجتمعات بأجمعها، وأحد هذه النماذج الناجحة مدينة نزوى. ومع ما اجتمع من طموح ومهارة في الشباب العُماني، نجد أيضا دورا حكوميا ملحوظا يتمثل في دعم المشروعات العُمانية وتشجيع روادها الشباب لدخول عالم ريادة الأعمال. وتتعدد صور هذا الدعم، ومن بينها التسهيلات والحوافز المتعلقة بالرسوم والإجراءات، والمعاملة الضريبية الميسرة للمؤسسات الصغيرة التي تستوفي شروطا محددة؛ حيث تخضع بعض المؤسسات الصغيرة لضريبة دخل بنسبة مخفضة متى تحققت فيها الاشتراطات الخاصة بالإيرادات وعدد العاملين وغيرها. إضافة إلى ما يُقدّم لرواد الأعمال من برامج تدريبية وتأهيلية، سواء في الجوانب الإدارية والمالية والتسويقية أو في كيفية إعداد دراسات الجدوى وإدارة المخاطر والأزمات. كذلك توجد برامج لدعم تسويق منتجات هذه المؤسسات ومشاركتها المدعومة في المعارض والفعاليات المحلية والخارجية، إلى جانب خدمات الاحتضان والاستشارات والتوجيه. وأطلعني عدد من أصحاب المؤسسات على بعض صور هذه المساندة التي تقدمها الجهات الحكومية إما بصورة مباشرة أو بالتعاون مع القطاع الخاص الداعم أيضا. بوجود هذا الدعم الحكومي الذي لا يمكن أن ننكره، فإننا ما نزال نطمح إلى دعم أكبر وأوسع يشمل فئات إضافية من المشروعات الوطنية ورواد أعمالها عبر إضافة حوافز أخرى وتخفيف بعض الاشتراطات المرهقة خصوصا للمشروعات الناشئة؛ لترفع من نسب صمودها وتزيد من فرص توسعها في الأسواق المحلية والخارجية.
بوجود التسهيلات القائمة حاليا، ومع أمل التوسع في تطويرها وتفعيلها، نكون أكثر قدرة على استيعاب فئة كبيرة من الباحثين عن العمل، وجذبهم إلى مسار واعد يتمثل في المؤسسات الخاصة، وهؤلاء بدورهم، يسهمون -بعد ذلك- في معالجة ملف الباحثين عن العمل عن طريق توسع مؤسساتهم واستحداثها فرصَ عمل جديدة وفق قانون دورة الإنتاج ومتطلباته.
وستعود نتائج هذه المشروعات الوطنية وثمارها على المجتمع بأجمعه؛ كونها تسهم في تدوير رأس المال داخل الاقتصاد المحلي، وتوليد الدخل، وتحريك الطلب على السلع والخدمات، وزيادة السيولة محليا. أما مع مشهد تركيز ملكية قطاعات واسعة من الأعمال في أيدي أجنبية، فإن جانبا كبيرا من الأرباح والعوائد المالية تتحول إلى خارج البلاد. ولكننا -من منطلق الموضوعية- لا ننكر فوائد هذه الملكيات الأجنبية ومساهماتها في الاقتصاد الوطني؛ من حيث إنها تندرج تحت نطاق القطاع الخاص-الذي استعرضناه في المسار الثاني- المعني أيضا في توفير الوظائف، ودفع الضرائب والرسوم، وتوفير المنتجات والخدمات المحلية، ونقل كثير من المعارف والخبرات. ولكننا نظل نرى أن زيادة مشاركة المواطن العُماني في ملكية هذه المشروعات وملكيتها أمرا مهما للأسباب التي سقناها آنفا، ولتكون حلا من الحلول المناسبة لمواجهة تحديات سوق العمل وأزمة الباحثين عن عمل. لا يمكنني أن أحصر الحلول في هذه المسارات؛ إذ تتعدد المسارات العلاجية لمثل هذه التحديات التي تواجهها كل دول العالم، ولكننا -من منطلق المسؤولية الوطنية- بحاجة إلى المساهمة ولو بالفكرة.
د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني
