تحديات الإنسان المعاصر

08 أغسطس 2026
08 أغسطس 2026

ظلت سلطة الخطاب منذ نشأتها تحاول السيطرة على الفرد والأسرة والجماعة البشرية وتطويعها حتى قبل أن تثبت الدراسات المعاصرة مدى تأثر العقل البشري بالخطاب والرسالة التي يتكرر عرضها عليه، وهذا ما نجده منذ أقدم النصوص السومرية والفرعونيّة إلى الخطب اليونانية والرومانية خاصة. لكن مقارنة ذلك التاريخ كله بما يحدث اليوم من محاولات التحكم والسيطرة على الفرد، يجعلنا نعيد التفكير والسؤال والمقارنة بين أحجام وقوى ومدى ذلك الأثر والتأثير بين ذلك الماضي البسيط وهذا الواقع المتشابك، وبالتالي كيف ستكون ردة الفعل الإنسان المستقبلية تجاه طغيان هذا الاتجاه؟ 

اليوم يجد الإنسان المعاصر نفسه، منذ أن يفتح عينيه مستيقظًا حتى يغمضهما، وهو وسط حلبة الأسود الرومانية الجائعة، بين قوى فتاكة يحاول كل منها إخضاعه وتسخيره لصالحه، حيث اللحم الذي يجري التقاتل عليه هو الوقت والزمن الفردي، الذي يمكن تحويله إلى أشكال مختلفة من القوة، من المال إلى النفوذ. 

فإذا كان إنسان العصور السالفة يتعرض للتأثير من خلال الخطاب الاجتماعي بأشكاله، وصولًا إلى إنسان القرن العشرين في العصور الحديثة وسط وسائل النشر التقليدية المكتوبة والمسموعة والمرئية، لكن كان من الممكن للإنسان العادي التمييز بوضوح بين حدود الخطابات وأغراضها، بينما اليوم يجري إغراق الإنسان المعاصر، كل لحظة بلا انقطاع، في تيار شديد مستمر من الخطابات، الساعية ليس إلى إقناعه ولو صوريًا، بل إلى التحكم مباشرة بنوازعه ودوافعه وغرائزه، وتسخيرها بشكل مباشر لخدمة السلطة التي تقف خلف تلك الخطابات أيًا كانت، والتي يغلب عليها اليوم أن تكون شركات التقنية الكبرى، لكنها ليست وحيدة فمعها بقية الشركات المنتجة والأنظمة المختلفة. 

ليس صدفة أن يجد إنسان العصر اليوم نفسه في منطقة فوضى وتشويش مستمرة، وأن يجد نفسه مترددًا وشكاكًا حتى فيما اعتاده ووثق فيه من قبل، وكأنه في عصر يعيد فيه تعريف وتصنيف كل شيء تقريبًا، وكأننا في إعادة لهبوط الإنسان الأول إلى الأرض، لكن هذه المرة بشكل جماعي وفردي في آن واحد، كل الجماعة البشرية وكل منها آدم وحواء في الوقت نفسه. 

لا غرابة بعدها أن يجد، حتى الأذكياء منا، أنفسهم وسط تحديات غير مسبوقة، في عالم يعيد تشكله، وتتقلص فيه الحرية إلى حدودها الدنيا، بفعل المراقبة الرقمية اللصيقة، وتتعاظم العزلة وتتفشى بشكل موحش؛ في عصر لا تخجل فيه الجريمة من انعكاساتها في المرآة، ويجري استهداف القيم والثوابت، بينما الإنسان المعاصر يحاول تلمس دربه وخطواته في هذه الغابة التقنية المظلمة معنويًا، والمضاءة بشاشات تكاد تعمي الأبصار في الواقع. 

يبشرنا أيلون ماسك في مقابلته الأخيرة التي أثارت ضجة على مجلة الإيكونيميست باقتراب العصر الذي يتخلف البشر فيه عن الآلات، بينما في الواقع المعاش يطالب واقعنا من الإنسان المعاصر التزود بما يمكنه من قدرات نقدية عالية وحساسية فائقة، ليس من أجل استيراد أو تصدير الذات، بل من أجل العيش الحفاظ على الحدود الدنيا للحياة الكريمة دون اغتصاب فكره، ونفسه وهدر طاقاته واستعباده. 

يبدو العالم اليوم هائجًا بسبب تقدم الذكاء الاصطناعي المطرد، وهو تقدم يبدو أنه يجري على حساب ذكائنا نحن، عبر تحويلنا لكائنات حية أكثر اعتمادًا واتكالًا على الأجهزة والآلات، وبالتالي أقل استقلالية، وعبر دفعنا لتسليم مسؤوليتنا الذاتية إليه، وما ينتج عنه بالمحصلة لنصبح أكثر غباء: كلما نفدت بطارية هاتفك تحولت أنت الآخر إلى آلة عجماء صماء لا تعرف أين تذهب ولا ما الذي عليها فعله. ومؤخرًا نشرت الصحف دراسة جديدة تؤكد مدى الضرر الذي يسببه الاعتماد المفرط على خرائط جوجل في خلايا الاتجاهات والذاكرة المكانية في الدماغ البشري. 

هذا الواقع المتعاظم في تغوله عبر المليارات التي تصبها الاستثمار المسرف في الذكاء الاصطناعي مدفوعا برغبة التحكم في قوة تقنية جديدة هائلة، تتفوق على القنبلة الذرية كما يقال، فإنه ينبئ كذلك بحياة تفقد لذتها ودوافعها وبهجتها ومغامراتها، حياة متبلدة، كما كتبت مؤخرًا كل من ميشيل مندلسون وتشارلي تايسون مقالهما الطريف على الجارديان (لماذا يبدو كل شيء خاليًا من البهجة؟ أهلًا بكم في عصر الانحطاط الخالي من المتعة) وهو ينطلق من الظواهر الغريبة والعادات التي بدأت تظهر في سلوك أثرياء الأثرياء، كمحاولات الخلود لبرايان جونسون، والأطعمة المتقشفة في مطاعم الرفاهية، وغيرها من صرعات الأثرياء، إضافة إلى ما شاع حتى بين عموم الناس من العناية المفرطة بالشكل والانتشار المتعاظم لأدوية التخسيس GLP-1 بعد عمليات الشفط وقص المعدة التي انتشرت من قبل، وكل هذا يعيدنا للظواهر التي وكأنها كانت تستشرف مستقبلها حين انتشرت معنا تسريحات الشعر الناشزة، وكل التقليعات الغريبة التي كانت تفصح عن ضياع البوصلة أكثر مما تنبئ عن معرفة الطريق، وهو الأمر نفسه الذي تنبأ به الأدب من قبل إذا استعدنا روايات ما بعد الحرب العالمية مثل هيرمان هسه في الرحلة إلى الشرق. 

رغم كل تلك المعطيات إلا أن بإمكاننا المحاججة بأن الإرادة الفطرية في أعماق الإنسان حين تجد نفسها كما هو الحال اليوم وسط تحديات جديدة، فإنها بذلك تدفع بالإنسان دفعًا إلى اكتشاف الجوهري في إنسانيته، من أجل تميز ذلك الجوهر وإعلاء شأنه، ولعل هذا ما يمكن ملاحظة بوادره في اختلاف الأجيال الذي بدأ يشار إليه هذه الأيام بحدوث تغير في السلوك البشري العام، خاصة في جيل - المعاصر، مقارنة بالأجيال السابقة، حيث يبدو أن هذا الجيل، على عكس التنبؤات المضادة، أصبح يدرك أكثر يومًا بعد يوم، بوعيه أو لا وعيه، موقعه ومهمته في المسيرة البشرية الشاملة، ولذلك نراه يختار سلوكًا وأنماطًا وعاداتٍ أكثر حصافة، تبعًا للتحديات الاجتماعية والسياسية المتغيرة. 

هذا التغير الملحوظ حتى في نمط التفكير والتلقي ومقاومة الاستلاب والسيطرة يبشر بأن ما يبدو كمعضلة إنسانية، وتناقض في المسعى البشري بين المادة والمبادئ، المتمثل في هذه المصيدة الرقمية المزدوجة، المدفوعة بجشع رؤوس الأموال الأعمى، تؤسّس في أعماقها تحررًا أكبر، وأن هذه القبضة الرقمية المحكمة لا يمكنها تحجيم وابتلاع جوهر الإنسان، أو تسخيره واستعباده، كما تراهن الترليونات، بل سيتحول هذا المأزق المعاصر إلى دافع تجدد قوي، وآفاق أرحب، وهو ما سيعيد ترتيب أولويات وأخلاقيات هذا الاكتساح الرقمي، وهذه المزايدة الغربية الشرقية بين أمريكا والصين، من أجل إعادته إلى نصابه المجدي والمفيد للتقدم البشري، بدل تسليم المصير البشري ومستقبل الحياة الإنسانية إلى آلات بلا مشاعر ولا أحاسيس. 

تدعو الحاجة اليوم في هذا العصر تحديدًا إلى الإصغاء الجواني الداخلي، إلى توجهات الروح الإنسانية ومتطلبات الجسد أكثر من القرون السابقة، من أجل تقدير وتثمين قيمة التجربة الإنسانية الفردية وإعادة تجويدها، بدل المصير المظلم للقطعان البشرية السائبة التي يرعاها راع إلكتروني، ويحلبها باشتراكات شهرية، ويطالبها بالمزيد من الحليب والمواليد لبيعها في سوق مواش لا غرض له غير تعظيم الأرباح، دون اكتراث لا بالجسد ولا الروح. 

إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني