اليوم الدولي للحوار بين الحضارات والإثنيات القاتلة
09 يونيو 2026
09 يونيو 2026
يحتقل المجتمع الدولي في 10 يونيو من كل عام باليوم الدولي للحوار بين الحضارات.
والحضارات بذاتها لا تتحاور، لكنها تستبطن القيم الكبرى التي يتحاور حولها الإنسان كل من منطلقه الثقافي سواء كان منطلقا لاهوتيا أم إنسانويا مطلقا.
والحوار في الخصوصيات يؤدي عادة إلى الصراع؛ لأن الغاية هو إثبات ما عندك من خصوصية معتقدية أو شعائرية أو ثقافية، ونقض ما عند الآخر. الأصل في الحوار أن ينتقل من الخصوصيات إلى قيم الحضارة، مثلا العدل والنظافة والعلم والحرية وكرامة الإنسان وشبهها بمعنى كيف نحقق ذلك ونتعاون في تحقيقه، كل حسب منطلقه ورؤيته الثقافية، هنا يكون للحوار ثمرته.لكل دولة قطرية أثنيات دينية أو مذهبية أو عرقية أو لغوية أو ثقافية بالشكل العام، وهي حالة صحية طبيعية، الإشكالية عندما تخرج من دورها الطبيعي وفق قيم الحضارة والإنسان الجامعة إلى الخصوصيات المختلفة والمتنافرة، فتنتقل من دورها ووجودها الطبيعي إلى دائرة الصراع والاحتراب.أضرب مثلا خارج الإطار العربي والإسلامي؛ حيث تحدثت حول هذا الجزء من عالمنا مرارا. نأتي مثلا إلى سيريلانكا، نجد إثنيتها ترجع إلى عرقين كبيرين: العرق السنهالي، وهم الغالبية المنتمية إلى الديانة البوذية التيرافادية، وصاحبة السلطة والكلمة فيها، ولغتهم السنهالية. والعرق التاميلي، وهؤلاء غالبهم هندوس، وفيهم مسلمون ومسيحيون، وأصلهم من تاميل سريلانكا، بيد بعض التاميل نزح من الهند للعمل في مزارع الشاي، واستقر فيها، وهؤلاء يتحدثون التاميلية. ويوجد فيهم عرق خليط من العرب والهنود والسيريلانكيين يسمون المور، وهم مسلمون يتحدثون التاميلية، وعرق من أصول أوروبية قليل جدا استقر فيها وقت الاستعمار الأوروبي يسمى البرغر، وعرق قليل أيضا نزح من أندونيسيا وشرق آسيا من الملاويين وهم مسلمون بجانب عرقها القديم الفيدا، وأصبحوا أقلية لا تكاد تذكر.
العرق السنهالي لكونه الأغلب في سيرلانكا أصبح صاحب السلطة والكلمة فيها بعد الاستقلال عام 1948م في بلد يتجاوز عشرين مليون نسمة، مما شعرت الأقليات الأخرى وعلى رأسها التاميل بالتهميش، خصوصا بعد قانون 1956م باعتبار اللغة السنهالية اللغة الرسمية الأولى في البلاد، أدى إلى حرب أهلية منذ 1983م حتى 2009م عرفت بحرب النمور أو نمور تحرير تاميل إيلام، حيث تزعمها التاميل المطالبين بدولة تاميلية في شمال وشرق سيريلانكا، مما أثر سلبا على استقرار البلد وتقدمه، وانتشار الفقر والخوف، وضعف التنمية والسياحة التي يعتمد عليها السكان بشكل كبير.
بعد 2009م تحولت سيريلانكا من دولة مفككة إلى دولة مركزية موحدة؛ حيث حاولت الانتقال من دولة الإثنية العرقية وفق الهوية السنهالية إلى الدولة وفق الهوية الوطنية الواحدة، لهذا تقدمت في فترة وجيزة في الخدمات والبنية التحتية والسياحية، واهتمت بالجوانب العسكرية والشرطية والأمنية للحفاظ على الوحدة الوطنية.
انتقل نظام الحكم في سيرلانكا من نظام يركن إلى الجانب الإثني إلى نظام جمهوري ديمقراطي؛ فرئيس الدولة منتخب من الشعب، ومدة الدورة خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، ثم يليه رئيس الوزراء، وهو منتخب أيضا من الحزب صاحب الأغلبية كل خمس سنوات، ثم البرلمان صاحب الصفة التشريعية والرقابية، ثم القضاء وهو شبه مستقل.
ومع هذه الإصلاحات إلا أن التوترات ما زالت تحدث بين فترة وأخرى؛ بسبب غلبة السنهالية البوذية، وشعور الأعراق وخصوصا الأقليات الأقل بالتهميش في بعض الجوانب الحياتية. تمثل هذا من خلال سيطرة حزب الحرية السيريلانكي ذات الأغلبية السنهالية على الحكم لفترات طويلة جعلتهم يميلون إلى تخصيص مزايا الدولة إلى العرق الأكبر، ولو في بعض الجوانب الإدارية والمالية.
في السنوات الأخيرة تحولت الإشكالية من صراع أثني عرقي إلى صراع اقتصادي، وهنا واجهت الحكومة إشكالية مع جميع أعراق المجتمع بشكل عام، كما زادت الفجوة مع الأقليات الشاعرة بالمظلومية.
سبب هذا أن سيريلانكا لبناء بنية تحتية وتشجيع السياحة أنفقت بشكل كبير على الخدمات، فسعت إلى التقشف من جهة، والاقتراض من جهة أخرى، وزاد الطين بلة جائحة كورونا؛ حيث توقفت حركة السياحة في البلاد مع انهيار العملة، والتضخم وارتفاع الأسعار، ونقص الوقود والكهرباء، وارتفاع الديون.
على إثر هذا قامت مظاهرات أسقطت الرئيس غوتابايا راجاباكسا وكان من حزب الجبهة الشعبية السيريلانكية، الحزب القومي البوذي المناصر للقومية السنهالية البوذية، والذي استقال وخرج من البلاد، وجاء بعده رانيل ويكرمسينغه من الحزب الوطني المتحد، وهو حزب لبرالي، ثم أنورا كومارا ديساناياكي من حزب جبهة تحرير الشعب، وهو حزب يساري، وهو الحاكم حتى اليوم.
الزائر لسيريلانكا لا يشعر بهذا الاضطراب يشعر بعالم آخر من الجمال واللطافة، جمال الطبيعة مع لطافة الشعب. ولكون العقلية المعرفية اليوم هناك حاولت الاقتراب إلى الدولة الوطنية الجامعة؛ فهذا لا يعني أن سيريلانكا تجاوزت الأثنية؛ لأنها حالة ثقافية طبيعية، لكنها تحاول أن تجعلها إثنية بنائية، وليست أثنية احترابية صراعية قاتلة بعد تجربتها في حرب النمور.
لهذا يأتي أهمية الحوار بين الإثنيات، وتكمن أهميته - كما أسلفت - عندما ينتقل الحوار حول الخصوصيات إلى الحوار حول قيم الحضارة الجامعة بين الكل؛ فالناس أحرار في معتقدهم وممارسة طقوسهم ورؤيتهم الوجودية وتشكلاتهم الثقافية والاجتماعية، ولكن هناك مشتركات بينهم تحقق لهم المساواة من حيث الكرامة الإنسانية، والعدالة من حيث توزيع الثروات والحقوق.
وهنا تأتي أهمية الحوار، وإشغال العقل الجمعي به، حتى تتحول هذه الإثنيات إلى حالة إحيائية بنائية، وليست حالة قاتلة للإحياء والبناء.
بدر العبري كاتب مهتم بقضايا التقارب والتفاهم ومؤلف كتاب «فقه التطرف»
