المرحلة الثانية من رئاسة بايدن

13 مايو 2023
13 مايو 2023

ما الغاية من إدارة بايدن؟

لو كنتم طرحتم عليّ ذلك السؤال في عام 2022، لكنت قلت إن الغرض الأساسي من إدارة بايدن هو تضييق الهوة الاقتصادية. فأمريكا منقسمة انقساما مريرا بين أشخاص رفيعي التعليم يعيشون في أماكن مزدهرة وأشخاص أقل تعليما يعيشون في أماكن مهملة. وهذا الانقسام التعليمي والاقتصادي يهدد سياساتنا، ورخاءنا المشترك، ونسيج الأمة الاجتماعي.

في السنتين الأوليين، بدأت الإدارة بنجاح في معالجة هذه المشكلة الأساسية. وعلى الرغم من قانون البنية الأساسية وإجراءات كثيرة أخرى، وجَّه فريق بايدن مقادير ضخمة من المال لخلق وظائف للطبقة العاملة بهدف زيادة المنافع لأسر هذه الطبقة. وقد أسهم ذلك الإنفاق في أسواق العمل الملتهمة التي رفعت الأجور وأعاد أشخاصا إلى قوة العمل وشحن الرأسمالية الأمريكية بطاقة كبيرة.

نعم، ارتفع التضخم. نعم، لم تزل الأمة منقسمة انقساما مريرا. ولكن الأمور كان يمكن أن تتدهور على نحو كبير لو تركت الأماكن التي تعاني لتخوض في المستنقع الاقتصادي الذي كانت تخوض فيه. ومن هنا كانت القيمة العظيمة لسياسات بايدن.

أما إن سألتموني اليوم عن الغاية من إدارة بايدن لاختلفت إجابتي. لأن الغرض الأساسي لها اليوم هو تجهيز الأمة لفترة من التغير المتفجر المتسارع. في مقالة له بمجلة تابلت هذا الأسبوع، قال الباحث والكاتب وولتر راسل ميد: إن في مسار التاريخ الإنساني ثلاث فترات تحول هي: العصر الحجري الذي جاء بالزراعة المستقرة والكتابة وميلاد المدن، والثورة الصناعية التي أعطتنا المصانع والإنتاج الكثيف والسيارات، وعصر المعلومات.

وحتى سنوات قليلة مضت، بدا عصر المعلومات أشبه بالفترة الأقل أهمية بين الثلاثة. فقد تكون أجهزة الكمبيوتر وتيك توك أشياء لطيفة، لكنها لم تنتج بعد من التحولات التي تغير المجتمع مثل ما شهدناه خلال نقطتي التحول الحضاري السابقتين.

ويبدو أن ذلك يتغير.

فعصر المعلومات يتسارع ويزداد اضطرابا. والسبب الأول هو الذكاء الاصطناعي. فالذكاء الاصطناعي سوف ينتج فتوحات وتهديدات واسعة النطاق ولا يمكن لأيٍّ منا أن يتكهن بها. والسبب الآخر هو الحرب الباردة الناشئة مع الصين. فهذه سوف تنتج تنافسا تكنولوجيا وحشيا سيضخ طاقة رهيبة في تطورات التكنولوجيا الحيوية والطاقة وتصنيع الرقائق والتدفقات التجارية والتحالفات السياسية وكثير من المجالات الأخرى.

إننا نعيش في المراحل الأولى مما أطلق عليه زميلي توماس فريدمان قبل بضع سنوات «عصر التسارع»، وهو عصر يتسم بالتطورات المذهلة والاضطرابات المريعة في آن واحد. هذه هي مرحلة الاضطراب الأقصى، مرحلة قد تخطئ فيها التكهنات ويحتمل فيها أن توضع الخطط متوسطة الآماد فتفقد صلتها بالواقع قبل تنفيذها. وسوف نحتاج إلى حكومات تكون قادرة على تغيير وجهاتها بسرعة وترمي بشلالات من الأموال في مشكلات تظهر بغتة، ابتداء بالبطالة الجماعية الناجمة عن أسباب تقنية، وصولا إلى حرب تنشب في المحيط الهادئ.

عند وقوع كوفيد، وجهت الولايات المتحدة نفسها بنجاح وألقت ترليونات الدولارات في المشكلة. لكن قد لا تكون الولايات المتحدة قادرة على الحشد من أجل هذه النوع من الاستجابات في المستقبل. وذلك لأننا الآن مغللون بالدَيْن.

في فترة إدارة ترامب، تزايد الدين بقرابة 7.8 ترليون دولار، وفي فترة بايدن، تزايد بقرابة 3.7 ترليون دولار. وعلى مدار السنوات الخمسين الماضية، بلغ متوسط العجز الفيدرالي السنوي قرابة 3.5% من إجمالي الناتج الوطني. وعلى مدار السنوات العشر القادمة، يتوقع مكتب الميزانية في الكونجرس أن يبلغ متوسط العجوزات 6.1% من إجمالي الناتج الوطني.

من المتوقع أن تنفق الولايات المتحدة 640 ترليون دولار في العام الحالي لدفع فوائد ذلك الدين فقط، ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم بأكثر من الضعف بحلول عام 2033 وهذا تقريبا هو الوقت الذي سوف يصبح فيه صندوق ائتمان الضمان الاجتماعي معسرا بما يقتضي دفعات نقدية أكبر وأشد ضخامة للحفاظ على استمرار البرنامج.

وأي أسرة حكيمة توفر النقود مع اقتراب موسم الأعاصير لكي تتمكن من التعامل مع العواصف القادمة، لكن الولايات المتحدة بطيش مدمر تفعل النقيض تماما.

ومن زاوية النظر هذه، يبدو شجار سقف الدين مختلفا. نعم، يلعب الجمهوريون لعبة الدجاجة التي يمكن أن تتسبب للاقتصاد العالمي في اضطراب. لكن الحقيقة أن سقف الدين كان في كثير من الأحيان مناسبة لكبح جماح إنفاق مفرط. من بين 43 زيادة أو تعليق لحد الدين في الماضي، ارتبطت 27 منها بتشريع آخر، بحسب ما تقول مايا مكجينيس من لجنة الميزانية الفيدرالية المسؤولة. ارتبطت زيادات سقف الدين بكل من قانوني جرام رودمان هولينجز في عامي 1985 و1987 اللذين حددا أهدافا للعجز. واتفاقات الميزانية في أعوام 1990 و1993 و1997 أدت إلى ميزانيات متوازنة، ولكنها احتوت أيضا زيادات في سقوف الدين. والجمهوريون يلعبون هذه اللعبة بمزيد من القوة، لكن الديمقراطيين لعبوها أيضا.

بأخذ الظروف التاريخية في الاعتبار، ينبغي أن يتفاوض الرئيس بايدن قطعا مع الجمهوريين على صفقة لتقليص الدين. نعم الجمهوريون يتصرفون بطيش. ولكن الحقيقة المركزية تظل أننا بحاجة إلى تخفيض العجوزات بحيث تتيسر لنا المرونة والموارد للتعامل مع العواصف الكامنة مستقبلا.

ثمة طرق عديدة للقيام بهذا. أفضِّل منها ضريبة استهلاك تصاعدية يمكن رفعها أو تخفيضها مع ازدياد الاضطراب وانحساره.

لكن أولا، على بايدن أن يعيد تحديد رئاسته ليجاري الوقائع الناشئة على الأرض. فنحن لم نعد في عام 2021 الآن. إنما نحن ندخل إلى عصر تحول تكنولوجي وتحولات تكتونية لا يمكن استشرافها. وعلى النقيض من دونالد ترامب، الذي لم يزل يدور حول نفسه، يمكن أن يكون بايدن مصدر الأمن في أوقات الفوضى. ومن أجل أن يحدث ذلك، فإننا بحاجة إلى حكومة تتسم بالسلامة المالية والاستعداد لأي شيء.

ديفيد بروكس كاتب عمود افتتاحي لصحيفة نيويورك تايمز ومعلق سياسي في الكثير من المحطات التلفزيونية.

«خدمة نيويورك تايمز»