الكذب والوهم في التصريحات السياسية المتداولة
09 يونيو 2026
09 يونيو 2026
ليس الكذب في لغة الساسة بالأمر الجديد، وإنما هو أمر معهود على مر التاريخ. والواقع أننا لا ينبغي أن ننظر إلى الكذب باعتباره أمرًا مرذولًا دائمًا في لغة الخطاب السياسي التي تعبر عن نفسها بشكل مباشر في التصريحات السياسية، بل إنه قد يكون أمرًا مطلوبًا في أثناء الحروب والصراعات.
ومن هنا يمكن أن نفهم قول رسول الإسلام الكريم: «الحرب خُدعة»؛ والخدعة- بلا شك- هي نوع من الكذب؛ لأنها تصريح أو إعلان مضلل لا يكشف عن نوايانا الحقيقية، ولكنه كذب محمود ومطلوب؛ لأنه ببساطة يُعد أداةً من أدوات الحرب ضد الأعداء.
ويحق لنا أن نتساءل: ومن هم الأعداء؟ ذلك سؤال مشروع ولكنه عويص؛ لأن كل طرف من الأطراف المتصارعة ينظر إلى الآخر باعتباره عدوًا: هكذا تنظر إسرائيل إلى جيرانها العرب، مثلما تنظر إليها معظم الشعوب العربية باعتبارها العدو الحقيقي. وهكذا ينظر كل من ساسة روسيا وساسة أوكرانيا بعضهما إلى بعض؛ وهكذا أيضًا ينظر كل من ساسة أمريكا وإسرائيل وساسة إيران بعضهما إلى بعض بالتبادل في الحرب الدائرة الآن بين المعسكر الأمريكي الصهيوني وإيران.
وهذا يستدعي السؤال التالي: على أي أساس يمكن أن نميز بين مشروعية الكذب أو عدم مشروعيته في لغة الخطاب السياسي التي تعبر عن نفسها بشكل مباشر في التصريحات التي ترد على لسان الساسة؟! ما الحق والباطل هنا؟ هذا سؤال عويص من الناحية الفلسفية.
ربما يمكننا القول هنا إن مشروعية الكذب في مواجهة الأعداء (كأداة من أدوات الحرب) لا يبرر شن الحرب والعدوان على الآخرين بدعاوى أكاذيب تجافي الواقع والحقيقة. أقول هذا وفي ذهني تصريحات الساسة الأمريكيين والصهاينة- وعلى رأسهم ترامب ونتنياهو نفسيهما- التي يتبين لنا كذبها باستمرار، بل بشكل يومي تقريبًا. ويكفي أن نسترجع تصريحات ترامب من قبل عن قضائه التام على البرنامج النووي الإيراني، لنجده يصرح الآن باستمرار بأن هدف الحرب الجارية هو التخلص مما يسميه الغبار النووي الإيراني (أي اليورانيوم المخصب المحفوظ والمحصَّن في مواقع ما تحت الجبال الصخرية الإيرانية)!
كما أن نتنياهو يزعم باستمرار أن حربه على غزة تهدف إلى حماية أمن إسرائيل من تهديدات حماس، بينما نكتشف كل يوم مما يجرى على الأرض أن الهدف الحقيقي هو إبادة الشعب الفلسطيني وتهجير ما يتبقى منه، باعتبار أن ذلك يُعد جزءًا من مشروع إسرائيل في تمديد حدودها باستمرار؛ وليس أدل على ذلك من أن نتنياهو صرح مؤخرًا بأن إسرائيل تسيطر الآن على 50% من قطاع غزة، وأنه يستهدف السيطرة على 70% من أراضيها! وها هو ذا روبيو- وزير الخارجية الأمريكية- يصرح مؤخرًا قائلًا: «إننا أنفقنا مئات الملايين من الدولارات على الوضع الإنساني في غزة»، بينما أن أهل غزة ما زالوا يُقتلون يوميًّا بأسلحة أمريكية تزيد تكلفتها على مئات الملايين من الدولارات!! هؤلاء يكذبون كذبًا بواحًا، بل كذبًا منهجيًّا، أعني كذبًا يحترف الكذب منهجًا ومسلكًا في التعامل مع الآخرين. إنه كذب ليس ناتجًا عن وهم، بل إنه كذب مقصود باستمرار. وربما ينقلنا هذا إلى تأمل العلاقة بين الكذب والوهم.
والحقيقة أن أمر الكذب في لغة الساسة قد شغلني كثيرًا، بحيث أثار لديَّ تساؤلًا أكثر عمقًا عن الصلة بين الكذب والوهم في لغة الخطاب السياسي. ذلك أنني من خلال متابعتي اليومية في الأخبار للغة الساسة في الصراع الجاري الآن في الشرق الأوسط، قد لاحظت أن معظم الساسة والخبراء المتحدثين من الأمريكان والصهاينة عبر أجهزة الإعلام يتحدثون بكل إيمان وصدق عن المزاعم الكاذبة بشأن الحرب الجارية الآن في الشرق الأوسط. فهل مثل هؤلاء كاذبون، أم أنهم نتاج للوهم الذي يُولِّد الاقتناع بالكذب؟ كثير من هؤلاء لا يمكن وصفهم بأنهم «كاذبون»؛ لأنهم يكونون منحازين بحكم تربيتهم وثقافتهم العامة وانتماءاتهم الوظيفية التي يتعيشون منها؛ ولذلك فإنهم يرون الباطل حقًّا، ويروجون لهذا الباطل من أجل التأثير على الرأي العام في الداخل والخارج. ولكن مثل هؤلاء يمكن وصفهم بأنهم «واهمون». وهذا ما يقتضي التفرقة بين الوهم والكذب.
هناك فرق جوهري بين الكذب العابر (أعني: الكذب الذي يمكن اتخاذه في موقف ما لدرأ خطر ما)، والكذب المنهجي الذي يُتخذ بشكل دائم مسلكًا، وهو ذلك النوع من الكذب الذي يحترفه المرء ويُصر عليه (حتى يُكتَب عند الله كذابًا) بحسب عقيدة الإسلام.
والحقيقة أن الكاذب الذي يتخذ الكذب منهجًا، لا يمكن أن يصمد أمام الحقيقة التي تكشف زيفه وتضليله من خلال الوقائع التي تجري على الأرض. ولهذا قال الرئيس الأمريكي العظيم إبراهام لينكولن: «يمكنك أن تخدع بعض الناس كل الوقت، وكل الناس بعض الوقت، لكنك لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت».
ولكن عموم الكذب يختلف عن الوهم؛ ولذلك فإننا نرى كثيرًا من الموهومين الذين يصدقون هذه الأكاذيب؛ ومع ذلك فإننا نرى أيضًا قلة من الأصوات العاقلة التي تفطن إلى هذه الأكاذيب، حتى من داخل أمريكا وإسرائيل، سواء من بين بعض رجالات السياسة أو بعض النشطاء الأحرار المستقلين.
د. سعيد توفـيق أستاذ علم الجمال والفلسفة المعاصرة بجامعة القاهرة
