الرقابة لا تصنع أمنًا
04 يوليو 2026
04 يوليو 2026
ليس التسليح والعسكرة وحدها في صعود خلال السنوات الأخيرة؛ فالجهود الأمنية داخل البلدان على قاطنيها في ازدياد هي الأخرى. تبذل دول غربية عديدة الكثير لتطوير أنظمتها التقنية - المعززة غالباً بالذكاء الاصطناعي - المتعلقة بالنشاطات البوليسية، وتأمين الحدود الأوروبية والأمريكية من الهجرات، أو مراقبة ورصد المهاجرين داخل البلاد.
أحد أهم قادة التغيير الوحشي هذا هي شركة بالانتير Palantir شركة البرمجيات الأمريكية المتخصصة في تحليلات البيانات الضخمة، الحليف التقني لوزارة الحرب الأمريكية، وصاحبة الأنظمة المتورطة مع هيئة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) في تتبع المهاجرين غير الموثقين واستهدافهم وترحيلهم.
لا تُخفي الشركة انحيازها؛ فهي تُعلن في صفحتها الرئيسية بأنها تستهدف شراكات مع المؤسسات الحكومية (الحساسة) والمؤسسات التجارية في الغرب مع التشديد أنها تُطور برامجها حصراً لصالح الغرب.
لعل هذه الحصرية تُفسر الشراكات التقنية الواسعة مع الصين حتى من البلدان غير الغربية التي تُعد حليفة للولايات المتحدة، والتي من بينها دول الخليج. ومع أني أعتمد على مصادر أقدم للخروج بهذا الاستنتاج إلا أن الخيبة الخليجية من الحليف الأمريكي خلال الحرب ضد إيران لا يُمكن أن تؤدي إلا للمزيد من التقارب الخليجي الصيني على كل الأصعدة، لا سيما التكنولوجية.
أجمعت أجهزة الشرطة العشرون في ألمانيا (ستة عشر جهازاً على مستوى الولايات وأربع أجهزة اتحادية) على الإعلان عن رؤية «الشرطة 20/20» الساعية لبناء شبكة رقمية موحدة للشرطة عبر البلاد، عوضاً عن أنظمة التكنولوجيا والمعلومات وإدارة البيانات الحالية المتباينة والتي تفتقر للربط البيني. تذهب الرؤية في تعداد كيف أن هذا سيُحسن عمل الشرطة، يجعله معيارياً عبر الفيدراليات، ويحقق الكفاءة.
بالتوازي مع هذا ولتمكينه تجري حالياً محاولات تمرير قوانين تمنح الشرطة والمكتب الاتحادي للهجرة صلاحيات واسعة وجديدة لإجراء عمليات مراقبة جماعية تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي. جهود يدفع بها وزير الداخلية ألكسندر دوبريندت (Alexander Dobrindt) منذ مارس، ويُقال: إنه قد يُستغل انشغال الجمهور بكأس العالم الجاري حالياً لتمريرها دون لفت الانتباه (تمرير يجري خارج ملاعب الكرة هذه المرة). والشركة المرشحة لهذه المهمة «القذرة» ما هي إلا بالانتير نفسها؛ المتعطشة للمزيد من الاستغلال المتوحش للتكنولوجيا لفرض الرقابة والعنف العسكري خارج الغرب وعلى المهاجرين داخله.
ستسمح القوانين الجديدة بالمقارنة التلقائية للبيانات البيومترية المخزنة في قواعد بيانات الشرطة مع المواد الشخصية من صور وفيديوهات متوفرة على الإنترنت.
لا ننسى في هذه المناسبة تدشين نظام بيومتري لعبور الحدود الأوروبية.
بالنسبة للشرطة الألمانية، خصوصاً منذ السابع من أكتوبر، وكاميراتها سلاح مهم بقدر هراواتها في المظاهرات تستخدمها لتوثيق الوجوه؛ من أجل التعرف على هويات أصحابها لاحقاً، تتيح القوانين الجديدة استخدام أي مادة متاحة للعامة كصور المظاهرات أو الفعاليات العامة - أو حتى الفعاليات الخاصة التي تُتاح موادها للعامة - للرصد وتحديد الهوية، وذلك بالاعتماد على قواعد بيانات ضخمة تجمعها وتعالجها أدوات الذكاء الاصطناعي.
فوق هذا تتيح برمجيات الشرطة المرتقبة دمج وتحليل كميات هائلة من البيانات المستمدة من سجلات السكان، ومكاتب الخدمات الصحية والاجتماعية، والبنوك، ومزودي خدمات الاتصالات، ومنصات التواصل الاجتماعي.
باختصار ستمكن البرمجيات الشرطة من بناء ملفات للأشخاص مع معرفة دقيقة بتحركاتهم وأنشطتهم.
العقبة الأساسية أمام تمرير القانون حالياً هي مسألة إسناد هذه المشاريع إلى شركات خاصة في الخارج.
عقبة ليست سهلة في حدود الاتحاد الأوروبي ضمن قارة تُفاخر بقوانينها التي تنتصر للخصوصية وحماية البيانات.
حتى الآن طبّقت أربع ولايات بالفعل برنامج «غوثام» (Gotham) التابع للشركة، وقريباً قد تتمكن بالانتير من الوصول إلى جميع قواعد بيانات الشرطة في ألمانيا.
المعارضون لهذه التشريعات والمشاريع لا يعترضون على مسألة الخصوصية وحسب (أي مقدرة الشرطة على إنشاء ملف تعريف شخصي تفصيلي دون يد للفرد في تحديد البيانات التي تُستخدم أو كيف تُعالج)، بل في أنها - فوق ذلك - منحازة. أي أنها موجهة ضد مناطق وأحياء ومجموعات معينة تُحددها الشرطة باعتبارها أحياء تركز الجريمة (كهيرمن-بلاتس في برلين مثلاً)، والتي ينحدر أكثر سكانها من أصول مهاجرة.
لا يعترض المعترضون على فكرة أن هذه المناطق أقل أماناً، بل يعترضون على الطريقة التي تُفكر بها الدولة وهي تعالج مسألة الأمان. فعوضاً عن الاستجابة للتحديات الاجتماعية بإصلاحات اجتماعية تذهب لأساس المشكلة، تختار (أي الدولة) أن تتعامل مع الأعراض الجانبية الناتجة عنها عبر الإسراف الأمني وعنف الشرطة. إذ ثمة أجيال في المدينة أجبرتهم الدولة على أن يكونوا في وضع يشبه نموذج (البدون) بحقوق مدنية مهضومة، وهذا نموذج واحد للكيفية التي يعمل بها النظام ضد فئات معينة، ثم يُمعن في توجيه الضبط والرقابة والعنف ضدهم.
نوف السعيدي كاتبة عمانية مهتمة بفلسفة العلوم
