ليست الكتابة بالأهمية التي نتصورها

30 سبتمبر 2026
30 سبتمبر 2026
ترجمة: أحمد شافعي

أغلب أساتذة الجامعة الذين أعرفهم يعتقدون أن الطلبة يتعلمون التفكير، نقدا وإبداعا وتأملا ودأبا، من خلال الكتابة دون غيرها. وفي كلية وليمز التي أعمل أستاذا فيها تعد مهارات الكتابة من اشتراطات التعليم العام القليلة للغاية.

فلا عجب أن ترى الجامعات في الذكاء الاصطناعي تهديدا وجوديا، وتشرع في سباق تسلح بالإجراءات المضادة من قبيل المزيد من اختبارات التحقق من أصالة المقالات، وغرف الامتحان المعزولة عن الإنترنت، واشتراط كتابة المقالات من خلال منصات تتعقب كل عمليات التحرير، وذلك من أجل التحقق من صحة كل كلمة على حدة.

كما سمعت عن أساتذة يتهللون فرحا بكل خطأ إملائي أو نحوي في مقالة، وكأنهم أثبتوا بذلك أن الطالب هو الذي كتب المقالة بلا عون من الذكاء الاصطناعي.

لكن ماذا لو أننا مخطئون في ظننا بأن الكتابة هي أسمى سبيل لتنمية التفكير؟ فالأدلة التي تدعم هذا الظن واهية للغاية؛ فقد تكون الكتابة للبعض دعامة معرفية نافعة للذاكرة والتعلم الذاتي، لكن فكرة أنها العملية المثلى لتطوير مهارات التفكير محض فكرة حديثة العهد، يمكن تعقب جذورها في سبعينيات القرن الماضي وحركة (الكتابة الشاملة للمناهج).

في عام 1980 طرح المعلم جيمس بريتن فرضية ذهب فيها إلى أننا نكتشف ما نفكر فيه خلال فعل الكتابة. وكلمة «الفرضية» صحيحة هنا، لأن فرضيات بريتن التأملية الخيالية لم ترق قط برهانيا إلى مرتبة الزعم الأقوى، والدراسات التي أجريت منذ ذلك الحين إما محدودة وإما غير حاسمة.

في محاورة «فيدروس» لأفلاطون، يطرح سقراط نقدا لاذعا للكتابة؛ إذ يرى أن الكلمات المكتوبة ليست بنات المعرفة الحقة، لأن الكتابة لا تستطيع الكلام أو طرح الأسئلة أو الدفاع عن نفسها.

ويرى أنه فقط بالحوار بين العقول يكتسب العقل بصيرة حقيقية. وعلى مدى الألفي عام الماضية، ظل هذا الرأي يبدو عاجزا عن تقدير قوة الكتابة حق قدرها. لكن لعل سقراط كان محقا، وأننا نفكر على النحو الأفضل بالكلام والجواب والدفاع عن أفكارنا.

أنا لا أعتمد في التدريس على نصوص معدة سلفا، وقليل من أساتذتي الذين أكن لهم إعجابا كبيرا هم الذين يفعلون ذلك.

ولكنني بدلا من ذلك أشتبك مع طلبة محاضرتي عبر حوار بحثي فوضوي، متفاعلا مع وجودهم في القاعة لتقييم مدى فهمنا لبعضنا بعضا، رغبة في أن أقيم علاقات جديدة من خلال حميمية الأخذ والرد، وفي استرجاع أفكار من لقاءات عفوية سابقة مع الطلبة لأنسجها في محاضرتي الارتجالية عبر طرق جديدة من أجل التفكير فيها.

ولو كانت الطريقة الوحيدة التي يمكنني تعليم مقرراتي بها هي صوغ فقرات مكتوبة، فلن أكون على يقين من أنني أفهم المادة حق الفهم. ولو أنني لا أعامل الكتابة باعتبارها جوهرية لتحقيق التفكير فما من سبب واضح لي كي أفرضها على طلبتي.

ولكن تكليفات الكتابة تحقق احتياجات عملية للكليات والجامعات. فحينما نتلقى مجموعة من مقالات الصفحات العشر، يمكننا أن نصطحبها إلى البيت، ونقرأ القليل منها، ثم ننحيها جانبا، ثم نرجئ البقية لنقيمها حينما تسنح الفرصة.

وإذا شردت أذهاننا، يمكن أن نعيد قراءة النص القائم بين أيدينا. ولو أننا بحاجة إلى تبرير درجة أحد الطلبة، فيمكننا الاستشهاد بالنص. فالكتابة وسيلة ملموسة بسيطة لتعقب العقل، ويسهل التعامل معها في مؤسسة بيروقراطية أكثر من الحوار.

ولكن هذه المزايا لا علاقة لها بتطوير الفكر على أفضل نحو ممكن.

في الفصل الدراسي السابق، سمحت لطلبتي باستعمال أدوات الذكاء الاصطناعي في مقالاتهم النهائية وفقا لإرشادات معينة، ثم خضع كل طالب منهم لامتحان شفوي مدته خمس وأربعون دقيقة لأختبر فيها فهم المزاعم ودفعهم قدما في تحليهم.

وطمأنتني النتائج. فلم يحدث في أي حالة أن ساورني شك في أن الذكاء الاصطناعي قد كتب ورقة طالب بالطريقة الجوهرية المرفوضة التي نخشاها جميعا.

كان الطلبة جميعا شديدي الذكاء في ما يتعلق بالأفكار، شديدي البراعة في صوغ أفكارهم وتطويرها على نحو ديناميكي. فضلا عن أن نصف الطلبة على الأقل كانوا أشد مرونة وتأملا ووضوحا خلال الامتحانات الشفوية مما كانوا في مقالاتهم.

أعتقد أن الكليات يمكن أن تسمح باستعمال أدوات الذكاء الاصطناعي دونما تقويض للجيل القادم من المفكرين. ولكن لتحقيق ذلك علينا أن نتبنى صورة مختلفة للتعليم الجامعي يجري فيها التعبير عن الأفكار في وقت ورودها ويتجلى التفكير التحليلي من خلال الجدال أو الدفاع الشفوي أو النقاش الجماعي.

ولا بد من الشجاعة لمطالبة الطلبة بإبداء براعة فعالة تشاركية لأفكارهم. ولا بد من شجاعة من جانبهم للتخلي عن أمان التكرار والمراجعة والتنقيح والصقل. ومن المؤكد أننا سوف نواجه تحديات تتعلق بالنطاق، كما أن القدرة على التكيف لن تتوفر لكل المؤسسات. غير أن الفوائد قد تكون هائلة.

واتباع مسار بديل يتاح لنا فيه التفكير معا بصوت مرتفع، في حماس ودقة، لن يفضي إلى عالم تنتفي فيه الكتابة. فلقد أخطأ سقراط حينما ذهب إلى أنه لا ينبغي أن توجد كتابة على الإطلاق.

فللكتابة وظيفة مهمة: هي تلخص وتوجز أفكارنا في وسيط قابل للإشاعة والدوام. والكتابة تبقى مهارة جوهرية في الحياة، وسوف نستمر في ممارستها.

وسوف يكتب الذكاء الاصطناعي ملخصات لأفكارنا وقد يسهم بشيء من عنده. لكننا لا ينبغي أن نفرض على طلبتنا أن يحتفظوا بسجل مكتوب للمعرفة. لقد نسيت الجامعات أن الأرشفة والتفكير فعلان منفصلان.

وتأملوا ما قد نجنيه إن مارسنا الكلام أكثر واستثمرنا موارد العقل من خلال التيقظ والذاكرة والاشتباك مع بعضنا بعضا. قد ينتهي بنا ذلك إلى تقليل الوقت الذي نقضيه معزولين، ونزداد دربة على حل الخلافات والعثور على فهم أوضح لمعتقداتنا. فهذه هي اللحظة المناسبة لاسترداد التفكير النقدي.

جو كروز رئيس قسم الفلسفة وبرنامج العلوم المعرفية بكلية وليمز.

«خدمة نيويورك تايمز»