قـلـنـا، عـبـر هـذا الـمـنـبـر: إنّ إيـران لا تـمـتـلك بـرنـامـجـا نـوويّـا عـسـكـريّـا -أو بـرنـامـجـا لـتـصـنـيـع سـلاح نـوويّ- ولا هـي تـسـعـى إلـيـه فـي الـوقـت الحـالـي، وإنّـمـا يـشـغـلـهـا شـاغـلٌ نـوويّ آخـر هـو حـيـازة الـتّـكـنـولـوجـيـا الـنّـوويّـة الـتي يـمـكـن أن تُـسـخَّـر للأغـراض الـمـدنـيّـة مـثـل: الـطّـبّ، والـزّراعـة، وتـولـيـد الـكـهـربـاء، وتـحـلـيـة المـيـاه وسـواهـا.
وشـدّدنـا عـلى أن رفـعَـهـا نـسـبـةَ تـخـصـيـب الـيـورانـيـوم إلـى سـتّـيـن فـي الـمـائـة (وهـي الـتي يَـسـتـدلّ بـهـا الـمـسـتـدلّـون عـلى وجـود مـثـل ذلـك الـبـرنـامـج الـعـسـكـريّ فـي نـشـاطـهـا الـنّـوويّ) لـم تَـقْـصِـد إلـيـه قـصـدا وتـرتـيـبـا، وإنّـمـا هـو مـمّـا حـمـلـهـا عـلـيـه انـسـحـابُ أمـريـكـا، فـي إدارة تـرامـب الأولـى فـي عـام 2018، مـن الاتّـفـاق الـنّـوويّ الـذي وقّـعـتـه إيـران ودول 5 + 1 وأقـرّهُ مـجـلـس الأمـن فـي عـام 2015، مـن بـاب الـرّدّ عـلـيـه لا أكـثـر؛
وقـلـنـا إنّ مـن لـديـه بـرنـامـجـا للـتّـصـنـيـع الـعـسـكـريّ فـي الـمجـال الـنّـوويّ لا يـمـكـن أن يـبـيـح لـنـفـسـه أن يـتـخـلّـى عـنـه فـي اتّـفـاقٍ دولـيّ، مـثـل «اتّـفـاق لـوزان» (2015)، وأن يـرتـضـيَ بـأن يـنـزل بـنـسـبـة تـخـصـيـب الـيـورانـيـوم إلـى نـسـبـةٍ رمـزيّـة هـزيـلـة لا تـتـجـاوز الـ 3.67 فـي الـمـائـة! والـيـوم - بـعـد حـرب الأربـعـيـن يـومـا أعـنـي- يـمـكـن أن أضـيـف أنّ الـتّـجربـة الـمـريـرة الـتي عـانـتـهـا إيـران مـع الـعـدوان عـلـيـهـا أَعْـثَـرتْـهـا عـلى حـقـيـقـةٍ وسّـعـت إدراكَـهـا لـحـاجـتهـا إلـى المـوارد الاسـتـراتـيـجـيّـة الـمـطـلـوبـة لـصـوْن أمـنـهـا الـقـومـيّ؛ والحـقـيـقـة الـتي أعـنـي هـي فـائـضُ الـقـيـمـة والأهـمـيّـة الاسـتـراتـيـجـيّـة لـمـضـيـق هـرمـز ولـبـسْـط سـلـطـة الإدارة عـلـيـه مـمـرّا للـمـلاحـة الـدّولـيّـة.
لـذلك تـزايـد الـحـديـث عـلى ألـسـنـة قـادتـهـا ومسـؤولـيـهـا وكـتّـابـهـا بـأنّ مـضـيـق هـرمـز هـو الـقـنـبـلـة الـنّـوويّـة الـتي فـي حـوزة إيـران: أَتَـتْـهـا مـن الـطّـبـيـعـة والـتّـاريـخ ولـم تَـسْـتَـأْتِـهـا مـن الـصّـنـاعـة الـنّـوويّـة.
وقـد سـبـق للـرّئـيـس الـيـمـنـيّ الـرّاحـل عـليّ عـبـد اللّـه صـالـح أن قـال، قـبـل نـيّـفٍ وثـلاثـيـن عـامـا، أنّ مـن يـمـلـك مـوقـعـا عـلى بـاب الـمـنـدب، مـثـل الـيـمـن، لـيـس في حـاجـةٍ إلـى امـتـلاك قـنـبـلـةٍ نـوويّـة.
قـد يـقـال إنّـهـا سـتـفـتـح الـمـضـيـق -وفـقـا لِـمـا قـضى بـه الـتّـفـاهـم- وإنّـهـا لـن تـسـتـفـيـد مـنـه بـالـتّـالـي. وهـذا غـيـر صـحيـح؛ فـقـد تـعـود إلـى إحـكـام قـبـضـتـها عـلـيـه عـنـد أيّ أزمـة تـشـعـر مـعـها بخـطـرٍ يـتـهـدّد أمـنـهـا الـقـومـيّ ومـصـالـحـهـا الـحـيـويّـة.
مـع ذلـك، تجـري فـصـول الـصّـراع الـضّـاريّ فـي مـنـطـقـة الـخـلـيـج، وفـي الـعـالـم، تـحـت عـنـوانٍ نـوويّ يـزيـد مـن حـدّة الإلـحـاح عـلـيـه إصـرارُ الإدارة الأمـريـكـيّـة الحـالـيـة عـلى اخـتـزالِ الـصّـراع فـيـه، تـيـسـيـرا لـتـعـبـئـتـهـا الـعـالَـم ضـدّ طـهـران ومـخـاطـرِ بـرنـامـجـهـا عـلى الأمـن الإقـلـيـمـيّ وأمـن الـعـالـم، ومـن دون أن تـعـبـأ بـتـأكـيـد الأخـيـرة عـدمَ نـيّـتـهـا تـصـنـيـع سـلاحٍ نـوويّ...
عـلى أنّـه لا بـدّ مـن اسـتـدراكٍ، فـي هـذا الـبـاب، رفـعـا لأيّ الـتـبـاسٍ قـد يـحـجُـب إدراكَ مَـقْـصِـدنـا مـن الـقـول إنّ إيـران لا تـنـتـوي حـيـازة سـلاحٍ نـوويّ. لا نـقـطـع بـهـذا الـحُـكـم أو الـتّـقـديـر عـلى وجـه الإطـلاق، بـل فـي نـطـاق الشّـروط الـقـائـمـة الـيـوم، لـذلك شـدّدنـا عـلى عـبـارة «فـي الـوقـت الحـالـي» -فـي مـطـلـع هـذه الـمـقـالـة- ونـحـن نـسـوق تـقـديـرنـا ذاك.
إنّ عـدمَ تـنـاسُـب تـلـك الـشّـروط الـقـائـمـة مـع إرادة بـنـاء صـنـاعـة عسكـريّـة نـوويّـة قـد تـكـون فـكـرتُـهـا دارت بـخَـلَـد الـدّولـة الإيـرانـيّـة -لـئـلاّ نـقـول إنّـهـا دارت بـخَـلَـدهـا قـطـعـا- هـو، بـالـذّات، مـا حَـكَـم عـلى الـفـكـرة بـأن تـكـون خـارج إمـكـان الـتّـحـقـيـق الـمـادّيّ وحَـمَـل إيـران، بـالـتّـالـيّ، عـلى المـوافـقـة عـلى «اتّـفـاق لـوزان» (2015) للـتّـحرُّر مـن كـثـيـرٍ مـن الـضّـغـوط الاقـتـصـاديّـة والـمـالـيّـة، الـتي فُـرضـت عـلـيـهـا مـن وراء اتّـهـامـهـا بـالـسّـعـي إلـى امـتـلاك سـلاحٍ نـوويّ، وتـقـديـم تـنـازلاتٍ فـيـه تـجـعـل أمـرَ الـشِّـقّ الـعـسـكـريّ مـن الـبـرنـامـج الـنّـوويّ أمـرا مـمـتـنـعـا، بـل فـي حـكـم الـمـسـتـحـيـل، عـلى مـا يـدُلُّـنـا قـبـولُ طـهـران خـفـضَ نـسـبـة الـتّـخـصـيـب إلـى الـحـدود الـدّنـيـا وخـفـضَ مـخـزون اليـورانـيـوم عالـيِّ الـتّـخـصـيـب إلـى 98% وعـدمَ إنـتـاج البـلـوتـونـيـوم فـي مـفـاعـلاتـهـا...
نـعـم، إيـران لـيـسـت مـتـنـسّـكـة فـي هـذا الـمـوضوع ولا زاهـدة، عـلى الـرّغـم مـن فـتـوى مـرشـديْـهـا الأوّل والـثّـانـيّ بـعـدم إنـتـاج قـنـبـلـة نـوويّـة، ولا هـي تـسـتـطـيـع أن تـتـجـاهـل الـطّـوق الـنّـوويّ الإقـلـيـمـيّ المـحـيـط بـهـا مـن الـكـيـان الـصّـهـيـونـيّ والـهـنـد وپـاكـسـتـان ومـا يـلـقـيـه مـن تـحـدّيّـات جـمّـة عـلى أمـنـهـا الـقـومـيّ.
ولـكـنّ إيـران، فـي الـوقـت عـيـنِـه، دولـةٌ مـتـحَـلّـيّـة بـالـواقـعـيّـة الـسّـيـاسـيّـة ولا تـنـقُـصُ الـبـراغـمـاتـيّـة نـخـبَـهـا الـسّـيـاسـيّـة الـحـاكـمـة خـلافـا لِـمـا يـشـاع عـنـهـا مـنـذ ثـورة عـام 1979.
ولـذلـك هـي تُـدرك أنّ مـشـروعـهـا الـنّـوويّ الـعـسـكـريّ -وإنْ كـانـت تَـقْـوى عـلـيـه عـلـمـيّـا وتـكـنـولـوجـيّـا وصـنـاعـيّـا- لا تَـقْـوى عـلى كـلـفـتـه السّـيـاسـيّـة والاقـتـصـاديّـة الـبـاهـظـة؛ لـيس أمـام الـولايـات الـمـتّـحـدة الـتي تـواجـهـه بـشـتّـى أنـواع الـعـرقـلـة والـتّـصعـيـب، فـقـط، بـل وحـتّـى أمـام حـلـفـاء لـطـهـران، مـثـل روسـيـا والـصّـيـن، يـعـارضـون الـشّـقّ الـعـسـكـريّ فـي بـرنـامـج إيـران الـنّـوويّ جـهـرا وسـبـق لـهـم أن فـاوضوهـا (فـي مـفـاوضـات 5 + 1) لـوقـف الـتّـخـصـيـب والعـودة إلـى الشّـقّ الـمـدنـيّ، حـصـرا، فـي بـرنـامـجهـا.
وهـذا مـا تـفـهـم مـنـه إيـران -عـلى نـحـوٍ مـن الـيـقـيـن- أنّ مـشـروعـهـا الـنّـوويّ الـعـسـكـريّ مـمـتـنـعُ الـتّـحـقُّـق عـلـيـهـا لـوجـود ڤـيـتـو دولـي عـلـيـه.
إذا صـحَّ هـذا كـلُّـه، وهـو صـحـيـح، فـكـيـف نـفـسِّـر تـمـسُّـك إيـران بـحـقّـهـا فـي الـتّـخـصـيـب وعـدمِ اسـتـعـدادهـا للإعـلان رسـمـيّـا عـن الـتـزامـهـا الـجـهـيـر بـعـدم الـسّـعـي إلـى امـتـلاك سـلاحٍ نـوويّ: وهـذا، فـي مـا يـبـدو، عـقـدةُ الـمـفـاوضـات عـبـر إسـلام آبـاد؟
نـمـيـل مـن جـهـتـنـا إلـى افـتـراضٍ مـخـتـلـف: لـيـس تـمـسُّـك إيـران بـالحـقّ فـي تـخـصـيـب الـيـورانـيـوم، والـتّـلـويـحُ -أحـيـانـا- بـعـدم تـسـلـيـم الـمـخـزون عـالـيِّ الـتّـخـصـيـب مـنـه، بـل الـتّـلـويـح الـمـبـطّـن بـعـدم الـتّـخـلـيّ عـن طـمـوحـاتـهـا الـنّـوويّـة الـعـسـكـريّـة... أكـثـرَ مـن إفـصـاحٍ مـنـهـا عـن فـعْـلٍ سـيـاسـيّ ذكـيّ يـسـعـى فـي تـسـخـيـر الـمـوضـوع الـنّـوويّ الإيـرانـيّ ورقـة سـيـاسـيّـة فـي الـتّـفـاوض مـع إدارة تـرامـب - إلـى جـانـب ورقـة إدارة مـضـيـق هـرمـز - قـصـد انـتـزاع حـقـوق سـيـاسـيّـة ومـالـيّـة وسـيـاديّـة مـنـهـا: أمـوالـهـا الـمـجـمَّـدة، الـعـقـوبـات الـمـفـروضـة عـلـيـهـا، الـحـقّ فـي إنـتـاج الـقـدرات الـبـالـيـسـتـيّـة، دورهـا الإقـلـيـمـيّ ومـكـانـتـهـا الـدّولـيّـة، الـقـواعـد الـعـسـكـريّـة الأمـريـكـيّـة فـي الـمـنـطـقـة.