الذين هبطوا على الخارطة

03 يونيو 2026
03 يونيو 2026

من تلسكوب الابتكار، نرى جسورا لم تبلغ الضفة الأخرى وأفكارا ولدت في المختبر ثم وئدت في الطريق، ونرى خارطة خارج نطاق الرصد؛ لا تقاس بالمساحة، بل بقدرة الدول على نقل المعرفة وترجمتها لقيمة. ومن تلك الصور تنبثق تساؤلات؛ من العابر الذي أكمل بناء جسره؟ ومن الهابط على الخارطة موسعا مساحته؟ ومن المبادر الذي سيستفيد من هذا وذاك وسيغير ملامح الخارطة متوسعا؟

ومن خلال التلسكوب ذاته سنعرف الإجابات؛ حيث سنستعرض معا أربع تجارب لدول مختلفة في الجغرافيا والثروة والتاريخ. لكنها التقت عند محطة واحدة، لبناء الجسور للهبوط المدروس على الخارطة. فارتقت جميعها في سلم مؤشر الابتكار العالمي.

تحتل الدنمارك المرتبة التاسعة في مؤشر الابتكار العالمي، وتأتي الثانية عالميا في محور المؤسسات ضمن مدخلات المؤشر، كما تحتل الدنمارك المرتبة السابعة عالميا في المدخلات ككل، مقابل المرتبة الحادية عشرة للمخرجات، ويعزو المحللون هذه الفجوة إلى أن الدنمارك تميل لتحسين الابتكار داخل الشركات القائمة، بدلا من التوسع في إنشاء شركات ناشئة. مؤكدين أن هذا النمط يضمن استقرارا وعوائد متوقعة، لكنه قد يحد من قدرة البلاد على إنتاج شركات ناشئة قادرة على إحداث تحولات جذرية في السوق.

في خريف ١٩٧٣، ومع توقف إمدادات النفط من الخليج، راهنت الدنمارك على طاقة الرياح. كان الرهان مجتمعيا أكثر منه تقنيا؛ إذ شاركت الورش الصغيرة والمزارعون في التجريب والابتكار، واحتضنت المؤسسات محاولاتهم سواء نجحت أم فشلت. ومن هنا نشأ ما يعرف بنظام «المرونة والأمان» (Flexicurity)، ففتح الباب للمجازفة والتجريب. ويقوم على منح صاحب العمل مرونة التوظيف والتسريح ضمن إطار قانوني واضح، مقابل شبكة حماية اجتماعية مقرونة بتدريب مستمر. والنتيجة تتمثل في سوق عمل لا يخشى البطالة، ويسمح بتدفق وتنقل المعرفة والخبرة والمهارات. وفي ظل ذلك المناخ، طورت الدنمارك أول توربين هوائي تجاري، لتقود لاحقا شركة فيستاس (Vestas) تلك الصناعة عالميا .

ولا يستقيم الحديث عن الابتكار في الدنمارك دون التطرق لشركة نوڤو نورديسك (Novo Nordisck)، التي تسهم بشكل ملحوظ في إجمالي الناتج المحلي للبلاد. وقد اشتهرت بإنتاج الإنسولين قبل ريادتها لعلاجات السمنة عالميا.

كما تبرز أيضا شركة LEGO التي أوشكت على الإفلاس في بدايات القرن، لكنها استفادت من بيئة الأمان المؤسسي بالدنمارك لإعادة نفسها. ومع تبنيها مفهوم الاقتصاد المفتوح حولت أزمتها لفرصة. حين فتحت قنوات التواصل مع جمهورها العالمي، فأطلقت منتجات مستوحاة من أفكارهم، كباقات الزهور والمعالم السياحية الشهيرة.

وسرعان ما تبنت ليجو بصمة الثورة الصناعية الرابعة في ابتكاراتها الهندسية، لتعزز مكانتها كقوة ناعمة عالمية. من خلال ما أنتج من محتوى بصري يتبنى هوية LEGO وشخصياتها، ويوثق أحداثا إقليمية وعالمية.

ومن الدنمارك ندير تلسكوب الابتكار نحو هولندا، تلك المساحة الصغيرة والتي زادتها مشاريع استصلاح البحر بنحو ربع مساحتها. مع ذلك تصنف هولندا من بين أكثر الاقتصادات ابتكارا، وتحقق مفارقة لافتة؛ إذ تتفوق مخرجاتها على مدخلاتها في مؤشر الابتكار العالمي. أي أنها تنتج من الابتكار أكثر مما تستثمر فيه. وهو نموذج جدير بالدراسة والتحليل.

يعتمد النموذج الهولندي على شراكة بين ثلاثة قطاعات؛ الأكاديمي والصناعي

والحكومي، فيما يعرف بنموذج الحلزون الثلاثي. ولا تقيس الجامعة قيمة البحث العلمي بعدد النشر، بل بقدرته على التحول إلى منتجات وحلول تصل للأسواق. وهكذا أصبحت الجامعة قلب منظومة متكاملة من الشركات الزراعية والغذائية، جعلت هولندا من أكبر مصدري المنتجات الزراعية رغم محدودية أراضيها.

وإلى جانب تبنيها لمفهوم الحلزون الثلاثي، ركزت هولندا جهودها على القطاعات ذات الميزة التنافسية؛ مما أتاح توجيه التمويل والبحث العلمي نحو أولويات واضحة. ومن خلال شركة فيلبس تقدمت هولندا في الابتكار في قطاع الرعاية الصحية، حيث جسدت نموذجا لتحول الهندسة الهولندية إلى منتجات تدخل المستشفيات حول العالم.

وفي القطاع اللوجستي، يمثل ميناء روتردام رمزا لفلسفة لا ترى الموقع الجغرافي قدرا، بقدر ما هو فرصة لمن يستثمرها.

ومن هولندا نتجه لألمانيا، بمقعدها بين الدول العشر الأكثر ابتكارا عالميا؛ إذ تتفوق مخرجات ابتكارها على مدخلاته بفارق واسع. ففي ألمانيا الجامعة ليست برجا عاليا، والمصنع ليس مجرد خط إنتاج. صحيح أنهما عالمان مختلفان، لكنهما يتحدثان لغة واحدة ويتشاركان الطاولة نفسها هناك؛ فتلعب معاهد فرونهوفر (Fraunhofer) دور الجسر بين الجامعة والسوق، فهي تمثل أكبر جهة للبحوث التطبيقية في أوروبا، من خلال تركيزها على تصنيع نماذج أولية قابلة للاختبار.

وتتبنى تلك المعاهد نموذج تمويل متوازن، ثلثه حكومي والثلث الثاني من عقود الشركات، والثلث الأخير من المشاريع التنافسية الأوروبية، وبذلك تسهم معاهد فرونهوفر في ردم وادي الموت الذي تتعثر فيه معظم الابتكارات.

ومن معاهد فرونهوفر ننتقل لجمعية ميتلشتاند (Mittelstand)، التي تؤكد أن الابتكار ليس حكرا على الشركات الكبرى، بل أيضا على الشركات الصغيرة والمتوسطة. شركات قد لا تكون معروفة خارج دوائرها المختصة، لكن تتصدر أسواق عالمية بمنتجاتها. باختصار، يرتكز الابتكار في ألمانيا على منظومة ثلاثية؛ الجامعة تنتج المعرفة، وفراونهوفر يحولها إلى حلول والميتلشتاند تحول الحلول إلى منتجات.

وبالنرويج نختتم ما انتقينا من تجارب، وهي تجربة مختلفة لاقتصاد ريعي؛ فمنذ اكتشاف النفط بها، قامت النرويج بوضع عوائده في صندوق سيادي هو الأكبر عالميا. لا يمس رأس ماله، ويستفاد فقط من عوائده المتوقعة، وذلك حماية للاقتصاد من تقلبات الأسعار، وحفظا للثروات الحالية للأجيال القادمة.

تتبنى النرويج نموذج الحلزون الثلاثي، حيث تتشارك الحكومة والأكاديميا والصناعة في صياغة مسارات الابتكار.

وقد جاءت النرويج في المرتبة العشرين في مؤشر الابتكار العالمي الأخير، متصدرة ركيزة البنية التحتية وحاصلة على الركز التاسع في المؤسسات، إلا أن المؤشر يرصد فجوة قائمة: فبينما تحتل مدخلات الابتكار بالنرويج المركز الحادي عشر، جاءت مخرجاته في المركز السادس والعشرين.

وفي مواجهة هذه الفجوة تقف وكالة الابتكار بالنرويج (Innovation Norway) في قلب المنظومة، حيث تناط بتلك الوكالة مهمة تحويل الأفكار الابتكارية إلى منتجات قابلة للتسويق. وذلك بتمويل مراحل الخطر التي يتجنبها القطاع الخاص، مع اشتراط التمويل المشترك في المراحل المتقدمة، لضمان أن تكون الدولة شريكا لا بديلا عن السوق، كما تبني وكالة الابتكار بالنرويج شبكات تربط الشركات بالعملاء والموردين والبيئات البحثية لتصبح الجسر بين المعرفة الأكاديمية بالسوق المحلي.

وعلى المستوى العالمي، ابتكرت النرويج نموذج «فريق النرويج». يمثل ذلك الفريق شبكة تعاون تجمع القطاع الحكومي بالقطاع الخاص ووكالة الابتكار بالنرويج تحت مظلة واحدة تقودها السفارات والقنصليات في الأسواق الخارجية. لتصبح البعثات الدبلوماسية معولا اقتصاديا يفتح الأبواب أمام الشركات النرويجية لتصل للأسواق العالمية.

ولم تكتف النرويج بذلك، بل أطلقت مبادرة «كل النرويج تصدر». لتجعل الوصول للعالمية ثقافة وطنية تشمل كافة القطاعات، ليصبح نجاح أي شركة نرويجية نجاحا وطنيا يستحق أن تتكامل خلفه مؤسسات الدول كافة.

دعوة للتفاؤل... كما تجتمع الأفلاج لتروي أرض عمان، تجتمع خلاصة التجارب الأربع لتعزز مسارا نحو الاقتصاد المعرفي؛ بيئة تحتضن المخاطر في الدنمارك، وحلزون ثلاثي يجمع الأطراف في هولندا، جسر لنقل وترجمة الابتكار في ألمانيا، ودبلوماسية اقتصادية في النرويج تنقل ابتكاراتها للعالم. حين نضع هذه الدروس على طاولتنا، ندرك أننا لا نبدأ من الصفر. الجسر بدأ ليكتمل، والضفة الأخرى مرئية، والمسافة أقصر مما نظن.

وكما يستلزم الاستفادة من أفضل التجارب، علينا أن نقدر ما نملك من مميزات لا يملكها غيرنا؛ ثروات طبيعية تقود التحول، وموقع جغرافي لم تستطع أي من تلك التجارب أن تدعيه. وطاقة بشرية نادرة، ثلثاها دون الثلاثين من العمر، والثلث الباقي خبرات تراكمية. ونحن نملك خصوصية ثقافية وحضارية، تحمل ابتكارا وإبداعا متراكمين، تعجز المؤشرات العالمية عن رصدها.

لكن العبرة ليست في الإمكانات ولا الكفاءات، بل في كيفية توظيفها. الابتكار ليس مشروع مؤسسة واحدة، بل انسجام منظومة كاملة ليتنوع الاقتصاد ونصل للقائم منه على المعرفة.

ولن يأتي ذلك بين غمضة عين والتفاتتها، إنه تراكم لقرارات كل يمكن الذي يليه.. لنعزز بيئة تطمئن رأس المال المغامر، تدعمها منظومة وطنية لنقل الابتكار بأولويات قطاعية واضحة، وصندوق تمويل لنقل وترجمة الابتكار، يدخل الوادي ويخرج منه دون أن يتحول إلى صندوق هبات.