أعداء أمريكا يوحدون قواهم

04 يوليو 2023
04 يوليو 2023

ترجمة: أحمد شافعي -

أصدرت إدارة بايدن أخيرا تصريحين مقبضين، أولهما إن إيران تساعد في تصنيع طائرات مسيرة لروسيا، والثاني أن الصين تدير قاعدة تجسس في كوبا.

الرسالة واضحة: أعداء أمريكا يوحدون قواهم. وهم الآن يشكلون ما أطلق عليه (مركز الأمن الأمريكي الجديد) المؤثر ومقره واشنطن «محور الاستبداديين» الذي يهدد مصالح الولايات المتحدة من شرق آسيا إلى الكاريبي وشرق أوروبا والخليج العربي. توحي العبارة بأن ما يربط حكومات روسيا والصين وإيران وكوبا هو كرههم جميعا للديمقراطية. وبالنسبة لفئة السياسة الخارجية في واشنطن التي كثيرا ما تصور صراعات أمريكا الجيوسياسية باعتبارها منافسات بين الحرية والطغيان، تمثل هذه قصة جذابة.

لولا مشكلة. فقبل سنوات قليلة فقط، كانت حكومتا كوبا وإيران ـ وكان لهما آنذاك نظامان سياسان متماثلان تسعيان إلى توثيق العلاقات مع واشنطن. وما كان انحرافهما باتجاه روسيا والصين راجعا إلى إدراك أنهما تكرهان الديمقراطية. ولكنهما انحرفتا لأن الولايات المتحدة رفضت مبادراتهما ودفعتهما دفعا إلى أحضان القوى العظمى المعادية لأمريكا. ففي ظل حكم كل من دونالد ترامب وبايدن، ساعدت واشنطن في إنشاء الشراكات المعادية لأمريكا التي تثير حسرتها الآن، وذلك بالضبط ما سبق أن فعلته خلال الحرب الباردة الأخيرة.

وانظروا إلى كوبا. في أغلب فترة ما بعد الحرب الباردة، كانت استراتيجية حكومتها واضحة إلى حد ما، وهي إبقاء نظامها السياسي مغلقا، مع فتح الاقتصاد أمام الاستثمار الأجنبي. وقد استوجب ذلك علاقات أفضل مع واشنطن، لأن العقوبات الأمريكية لم تمنع كوبا من أكبر مصدر محتمل للسياحة والتجارة فحسب، بل أخافت الشركات الأوروبية أيضا. وقد أخبرني وليم ليوجراند، خبير شؤون أمريكا اللاتينية في الجامعة الأمريكية، بأن «كل عنصر رئيسي في استراتيجية كوبا الاقتصادية في العقدين الماضيين كان مبنيا على توقعات طويلة المدى بأن العلاقة مع الولايات المتحدة سوف تتحسن».

في عام 2014، بدأ ذلك الرهان يؤتي ثماره. إذ أعلنت إدارة أوباما إنهاء العداء المستمر منذ عقود مع الحكومة الكوبية، وسرعان ما بدأ الجميع من كونان أوبراين إلى أندرو كومو إلى ستيف ناش في الظهور في هافانا. وكما أشار مايكل جيه بوستامانتي، الخبير بجامعة ميامي في كوبا، في ذلك الوقت، إن الأمر وصل إلى أن «العلم الأمريكي أصبح أكثر المعايير الوطنية أناقة، حيث يظهر على قمصان الكوبيين، وسراويلهم الطويلة، وقمم دباباتهم».

ثم دخل دونالد ترامب البيت الأبيض وانهار كل شيء. فقد فرض في عام 2019 أقسى عقوبات اقتصادية منذ أكثر من نصف قرن. وبعد شهر، بدأت كوبا تحصيص الصابون والبيض والأرز والفاصوليا. وفي الوقت نفسه تقريبا، وفقا لصحيفة وول ستريت جورنال، خضعت شبكة المراقبة الصينية في الجزيرة «لترقية كبيرة» (نفت وزارتا الخارجية الكوبية والصينية تقارير عن وجود منشأة مراقبة صينية في كوبا). قال إيفان إليس، محلل أمريكا اللاتينية في الكلية الحربية التابعة للجيش الأمريكي، لصحيفة الجرنال: إن الصفقة «في الأساس ثمن تدفعه الصين من أجل المشاركة في اللعب»، مضيفا أن «الصين تمنح كوبا الأموال التي تحتاج إليها بشدة، ويتاح للصين الوصول إلى منشأة للاستماع». في الخريف الماضي، وافقت الصين على إعادة هيكلة ديون كوبا وتبرعت للجزيرة بمائة مليون دولار. ومن الأسباب التي تجعل كوبا بحاجة مستمرة إلى أموال بكين أن إدارة بايدن أبقت عقوبات ترامب الرئيسية سارية.

تتبع العلاقات الأمريكية الإيرانية النمط نفسه. عندما وقَّع البلدان الاتفاقية النووية في عام 2015، وصفها وزير الخارجية الإيراني آنذاك محمد جواد ظريف بأنها «ليست سقفا ولكنها أساس متين يجب أن نبدأ الآن في البناء عليه». وأخذ قادة إيران، شأن قادة كوبا، يأملون في أن يؤدي تحسن العلاقات مع الولايات المتحدة إلى تحفيز الاستثمار الغربي. وبرغم أن بعض المتشددين الإيرانيين كانوا يخشون من أن تؤدي العلاقات الاقتصادية مع الغرب إلى إضعاف النظام، فقد قامر ظريف والرئيس حسن روحاني على أن الاقتصاد الأقوى سوف يعزز موقع إيران الإقليمي ونزع فتيل السخط الشعبي، مما يساعد على ترسيخ النظام السياسي في البلاد.

لم ينجح الأمر بهذه الطريقة. فقد ألغى الرئيس ترامب الاتفاق النووي وأعاد فرض عقوبات قاسية. وبدلا من إعادة الدخول في الاتفاقية في اليوم الأول من ولايته، قدمت إدارة بايدن مطالب إضافية ساعدت على إحباط الجهود المبذولة لإحياء الصفقة. ومع اختفاء احتمالية حدوث استثمار أمريكي وأوروبي كبير، تلاشى نفوذ واشنطن على علاقة إيران بموسكو. فليس لدى إيران الآن الكثير لتخسره بإقامة ما أطلق عليه متحدث باسم مجلس الأمن القومي أخيرا «شراكة دفاعية واسعة النطاق» مع روسيا.

ليست هذه هي المرة الأولى التي تدفع فيها الولايات المتحدة بلادا صغيرة إلى أحضان خصومها من القوى العظمى. فقد فعلت ذلك خلال الحرب الباردة. في كتابه «جمرات الحرب»، يشير فريدريك لوجيفال إلى أنه حتى أواخر أربعينيات القرن الماضي، كان الزعيم القومي الفييتنامي هوشي منه يعتقد أن الولايات المتحدة «يمكن أن تكون نصيرة قضيته» في الاستقلال عن فرنسا. وخلال الحرب العالمية الثانية، عمل جيش مينه الثائر، أي حركة فيت مينه، جنبا إلى جنب مع مكتب الخدمات الاستراتيجية، الذي كان سلفا لوكالة المخابرات المركزية، في حرب أمريكا ضد اليابان. ولكن مع تصاعد توترات الحرب الباردة، تجاهلت إدارة ترومان خبراءها في الشؤون الأسيوية ـ وكان العديد منهم يعتبرون فييت مينه حركة قومية في الأساس لا حركة شيوعية ـ ودعمت الجهود الفرنسية للحفاظ على إمبراطوريتها. فبحلول عام 1950، كانت فيت مينه تتلقى أسلحة من الصين الشيوعية.

وبعد عقد من الزمان، فعلت الولايات المتحدة شيئا مشابها في كوبا. بعد توليه السلطة في بداية عام 1959، شرع فيدل كاسترو في إعادة توزيع الثروة ومراجعة العلاقة التاريخية للجزيرة مع واشنطن. ولكن برغم ميول كاسترو اليسارية، يشير وليم ليو جراندي وبيتر كورنبلوه في كتابهما (القناة الخلفية إلى كوبا) إلى أن كاسترو «لم يبد تقاربا خاصا مع الاتحاد السوفيتي خلال عامه الأول في السلطة». ولم يحدث إلا بعد تأميم كاسترو للمزارع الكبيرة الذي دفع إدارة أيزنهاور إلى البدء في التخطيط للإطاحة به، أن أصبحت هافانا تعتمد على موسكو للحصول على المساعدة الاقتصادية والعسكرية. وأشار الزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشوف إلى أن عداء الولايات المتحدة قد دفع كوبا نحو الاتحاد السوفيتي «مثل برادة الحديد إلى المغناطيس».

يجب أن تذكِّرنا الحرب الباردة بأن البلاد ذات الأنظمة السياسية المتشابهة لا تكون بالضرورة بلادا متحالفة. فخلال الحرب الباردة، شكك العديد من صانعي السياسة الأمريكيين في أن الحكومات الشيوعية يمكن أن تظل مستقلة عن الاتحاد السوفيتي، لكن هذا بالضبط ما حدث في يوغوسلافيا، حيث انفصل جوزيب بروز تيتو عن الاتحاد السوفيتي في عام 1948 ورحب لاحقا بالمساعدات الأمريكية. وفي الستينيات، أصبح الاتحاد السوفييتي والصين خصمين.

فلو أن الحكومات ذات الأيديولوجية الماركسية المشتركة نفسها لم تتوافق دائما، فما من سبب يذكر للاعتقاد بأن الأشكال المتنوعة للاستبداد الساري في الصين وروسيا وإيران وكوبا تشكل اليوم مادة لاصقة ملزمة. لا يوجد شيء محدد سلفا من الناحية الأيديولوجية بشأن تنامي العلاقات الأمنية أو العسكرية بين هافانا وبكين أو طهران وموسكو. ولكنها تنبع، إلى حد كبير، من جهود واشنطن لتجويع كوبا وإيران لتدفعهما إلى الخضوع بدلا من إقامة علاقات عمل مع أنظمة لا نحب سياساتها الداخلية وتوجهاتها السياسية الخارجية.

في هذه الأيام، يقول الصقور في واشنطن إن الولايات المتحدة لا يمكن أن ترفع العقوبات واسعة النطاق المفروضة على إيران وكوبا، برغم أنها تحرم الناس العاديين من الطعام والدواء، لأن البلدين شريكان لأعداء أمريكا. فربما كان على الصقور أن يفكروا في ذلك قبل أن يتوسطوا في إقامة تلك الشراكات في المقام الأول.

بيتر بينارت أستاذ الصحافة والعلوم السياسية في مدرسة نيومارك للصحافة بجامعة مدينة نيويورك. وهو أيضا كبير المحررين في جويش كارنتس.

«خدمة نيويورك تايمز»