التوسع الإسرائيلي يهز الشرق الأوسط
08 يونيو 2026
08 يونيو 2026
في الماضي، كانت إسرائيل تقايض الأرض بالسلام. أما اليوم، فهي تقايض السلام بالأرض. لسنوات طويلة، فضّلت إسرائيل خوض حروب باردة، أو فاترة في أقصى تقدير، مع جيرانها. كان ذلك يعني الاحتواء، والتخريب عبر أجهزة الاستخبارات، وعمليات اغتيال متفرقة، أو ضربات جوية محدودة ضد منشأة أسلحة أو معسكر تدريب. أما الآن فقد تغيّر الأمر. فمنذ هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، بات العدوان والتوسّع يحددان ملامح السياسة الخارجية الإسرائيلية.
سيطرت القوات الإسرائيلية على شريط واسع من جنوب لبنان، ودفعت أكثر من مليون شخص إلى النزوح، ودمّرت قرى يعود عمرها إلى قرون. ويصف المسؤولون الإسرائيليون تلك المنطقة بأنها «منطقة عازلة» لحماية سكان شمال إسرائيل من صواريخ حزب الله. غير أن بعض المسؤولين الإسرائيليين هددوا بتسوية تلك المنطقة بالأرض، وضمّها، وملئها بالمستوطنين.
وفي إيران، سعت إسرائيل بحماسة إلى الدفع نحو انهيار النظام، غير مكترثة، على ما يبدو، بإمكان خلق فراغ خطير في السلطة داخل بلد يحتوي على 11 طنا من اليورانيوم المخصب. وتباهى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن حكومته ساعدت في إسقاط بشار الأسد، الرئيس السوري السابق. ومع سقوط حكومة دمشق، غزت إسرائيل منطقة في جنوب غرب سوريا واحتلتها، وهي منطقة متاخمة للأراضي التي سيطرت عليها لاحقا في لبنان. وفي غزة، قال نتنياهو إن الجيش الإسرائيلي سيوسّع نطاق سيطرته ليشمل 70% من القطاع، ومن المرجح أن يستمر هذا التوسع. وقد اقترح وزير الدفاع إسرائيل كاتس أن يتم في نهاية المطاف حصر كامل السكان الفلسطينيين في غزة داخل «مدينة إنسانية» ذات طابع كابوسي، تُبنى على أنقاض رفح. ولن يُسمح لأحد بمغادرة تلك المنطقة إلا إذا هاجر، وهو هدف وصفه كاتس بأنه من الأهداف المعلنة للحكومة الإسرائيلية. وفي الوقت نفسه، تتواصل في الضفة الغربية حملة تطهير عرقي تغذيها أعمال الترهيب، وتدفع الفلسطينيين إلى ترك أراضيهم وتوسّع المستوطنات اليهودية.
وغالبا ما يتحدث المستوطنون وغيرهم من الإسرائيليين المتدينين، الذين ازدادت قوتهم داخل ائتلاف نتنياهو اليميني المتطرف، عن «إسرائيل الكبرى»، بحدود تتمدد في نهاية المطاف لتبتلع كل الأرض التي ورد أنها مُنحت لهم في سفر التكوين، وتشمل الأردن ولبنان، إلى جانب أجزاء من مصر وسوريا والعراق والسعودية. أما بالنسبة إلى نتنياهو، الذي بدأ يشير إلى إسرائيل باعتبارها قوة عظمى، فالهدف على الأرجح استراتيجي أكثر منه روحيا، ويتمثل في الاستحواذ على الأرض وإضعاف الجيران الذين يُنظر إليهم بوصفهم خصوما أو تفتيتهم. وبجرأة غذّاها الدعم الأمريكي غير المحدود خلال تدميرها لغزة، ومع وجود القوات الأمريكية إلى جانبها في الهجوم على إيران، تتحرك إسرائيل بسرعة مربكة على جبهات متعددة. ويعزو نتنياهو عدوانية بلاده إلى الدروس الدامية لهجوم 7 أكتوبر، الذي يصر على أنه كان هجوما من حماس ومن «محور إيران» معا، بهدف «إبادتنا عبر طوق من الموت». وقال نتنياهو في مقابلة مع برنامج «60 دقيقة» على شبكة سي بي إس الشهر الماضي: «قلت إننا سنغيّر الشرق الأوسط. سنغيّر هذا الوضع الذي يتكتلون فيه ضدنا، معتقدين أنهم سيتمكنون من محو الدولة اليهودية الوحيدة». وتحمل هذه النزعة الحربية قدرا من الوهم. فقد يبدو الجيران المنقسمون، الغارقون في صراعاتهم الداخلية، أقل إثارة للرهبة من ذلك الطوق المعادي من الأنظمة الاستبدادية الذي كان يحيط بإسرائيل حين كان صدام حسين ومعمر القذافي وسلالة الأسد لا يزالون في الحكم. لكن الدول الفاشلة ترعى الإرهابيين وتزرع بذور العنف في المستقبل. كما أن ابتلاع مزيد من الأرض يعمّق مشاعر السخط.
وفوق كل شيء، فإن افتراض الإفلات من العقاب، والاستعداد لاستخدام العنف أداة سياسية، يحوّلان إسرائيل إلى دولة منبوذة. وبفضل التدفق الكبير للمساعدات الأمريكية، يتعامل نتنياهو ببساطة مع مذكرة التوقيف الدولية الصادرة بحقه، والتي تتهمه بارتكاب جرائم حرب في غزة، وكأنها أمر يمكن تجاهله. غير أن العدوان الإسرائيلي يهدد أيضا بإضعاف شريان الحياة المالي والدبلوماسي الذي يربط هذه الدولة الصغيرة بالولايات المتحدة.
وبين المجازر في غزة، والتصور الواسع، وغير الخالي من أساس، بأن الرئيس ترامب بدأ حربا غير شعبية في إيران بتحريض من نتنياهو، تدهور الرأي العام الأمريكي تجاه إسرائيل بصورة جذرية، وربما بصورة لا رجعة فيها. فهناك الآن 60% من البالغين الأمريكيين ينظرون إلى إسرائيل نظرة سلبية، فيما يعتقد نصف الناخبين الأمريكيين أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة. وقال تشاك فريليخ، النائب السابق لمستشار الأمن القومي في إسرائيل: «هذا تهديد هائل للأمن القومي الإسرائيلي. إسرائيل تحتاج إلى الولايات المتحدة في كل شيء». وقد جادل نتنياهو بأن إسرائيل، التي ظلت لسنوات أكبر متلقٍّ للمساعدات الخارجية الأمريكية في العالم، باتت اليوم غنية بما يكفي كي تفطم نفسها عن المساعدات العسكرية الأمريكية. وربما كان محقا في ذلك. لكن المال ليس سوى عنصر واحد من عناصر الدعم الأمريكي الحيوي. فالولايات المتحدة تتيح لإسرائيل الوصول إلى ترسانة متطورة لا يمكن شراؤها من أي مكان آخر، ومن ذلك، على سبيل المثال، طائرة الشبح المقاتلة إف-35. كما تتغاضى واشنطن عن قوانين أمريكية تحظر بيع الأسلحة لوحدات عسكرية أجنبية ترتكب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. وتعتمد إسرائيل أيضا بدرجة كبيرة على الولايات المتحدة في مجال الاستخبارات، فضلا عن الفيتو الأمريكي في مجلس الأمن الدولي، الذي أنقذ إسرائيل مرارا من الإدانة أو العقوبات.
وقال فريليخ: «من دون ذلك الفيتو، لكانت إسرائيل خاضعة لعقوبات شاملة منذ عقود». وربما يتحرك نتنياهو بهذه السرعة لأنه يدرك مخاطر تراجع الدعم الأمريكي. غير أن استعداده لصناعة الفوضى جعل كثيرا من جيران إسرائيل ينظرون إليها بحذر متزايد.
وقال محمد المصري، أستاذ دراسات الإعلام في معهد الدوحة للدراسات العليا: «إن خلق هذا النوع من الفوضى يمكن أن يقود إلى فراغ، وانقسامات فصائلية، وعنف إرهابي، وحركات تمرد. لكنني أعتقد أن إسرائيل مستعدة للتعامل مع ذلك، خصوصا إذا استطاعت توسيع حدودها بينما تحاول الدول إعادة البناء».
وفي لبنان، قال كاتس إن إسرائيل ستتبع «النموذج الذي طبقناه في رفح وبيت حانون في غزة». وكانت تلك مقارنة تقشعر لها الأبدان. فقد تعرض المكانان لقصف بلا رحمة، ثم سُوّيا بالأرض خلال الهجوم الإسرائيلي على غزة.
وقال لي رمزي قيس، الباحث المقيم في بيروت لدى هيومن رايتس ووتش: «تمر بسيارتك في بلدة فلا تجد بيتا واحدا قائما، لأن كل شيء دُمّر».
وقد احتلت إسرائيل جنوب لبنان لما يقرب من عقدين، بدءا من توغلها عام 1982 لمحاربة المسلحين الفلسطينيين. وألهم ذلك الغزو نشوء حزب الله، الميليشيا المدعومة من إيران، التي دفعت هجماتها إسرائيل إلى الانسحاب عام 2000. وهنا يلوح إحساس بالتكرار، بدورات عقيمة من الاحتلال والتمرد.
لكن ماذا بعد؟ لقد أمرت إسرائيل الآن بإخلاء نحو خُمس مساحة لبنان، وهي منطقة أكبر بكثير مما أُشير إليه في البداية، وتمتد إلى ما هو أبعد بكثير من أي منطقة عازلة. ويتخيل إسرائيليون يمينيون، جهارا، الاستيطان في جنوب لبنان، فيما حذر مسؤولون إسرائيليون السكان النازحين من أنهم لن يعودوا في وقت قريب. وفي الوقت نفسه، تضغط إسرائيل والولايات المتحدة على الحكومة اللبنانية من أجل نزع سلاح حزب الله، وهو مطلب غير مرجح التحقق في ضوء الضعف النسبي للجيش اللبناني، والحساسية الطائفية التي يمكن أن يثيرها مثل هذا التحرك. قد تنظر إسرائيل إلى جنوب لبنان بوصفه ورقة مساومة تستخدمها في المفاوضات، أو غنيمة تريد الاستحواذ عليها، أو وسيلة لتكثيف ضغط لا يُحتمل على الدولة اللبنانية. وأيا تكن اللعبة التي تحاول إسرائيل خوضها، فإن دفع هذا المطلب المتعلق بنزع السلاح في وجه حكومة مركزية ضعيفة ينطوي على خطر إشعال حرب أهلية بين الطوائف اللبنانية ذات التوازن الدقيق. وقال بول سالم، الزميل البارز في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: «لا يبدو أنهم مهتمون بسؤال: كيف نساعد على نمو دولة مستقرة على حدودنا الشمالية؟». وتبقى سوريا هشة ومفتتة، مع سيطرة جماعات مسلحة مختلفة على أجزاء من البلاد، ووجود قوات تركية في الشمال، واحتلال إسرائيلي في الجنوب. وفي جهوده لجمع شتات سوريا، يظل الرئيس أحمد الشرع مقيدا إلى حد كبير بحملة قصف إسرائيلية ساحقة كادت تمحو القدرات العسكرية السورية، مع انهيار النظام السابق.
وفي أبريل، وافقت الحكومة الإسرائيلية على إنفاق 334 مليون دولار لنقل آلاف المدنيين الإسرائيليين إلى مرتفعات الجولان، وهي هضبة سورية استولت عليها إسرائيل عام 1967 ثم ضمتها لاحقا، رغم أن القانون الدولي يحظر نقل المدنيين إلى أرض محتلة. وتوضح هذه الخطوة كيف يمكن لاحتياجات الأمن المؤقتة اليوم أن تتحول إلى توسع حدودي في الغد. فقد كانت مرتفعات الجولان، حتى وقت قريب، المنطقة العازلة لإسرائيل في مواجهة سوريا. أما الآن فقد توغلت إسرائيل أعمق داخل سوريا، وتتحرك لتوطين المنطقة العازلة القديمة بسكان سيحظون بحماية المنطقة العازلة الجديدة.
ولا شك في أن إسرائيل تجد فرصا جديدة في الدول الضعيفة. فمع بدء التحضيرات لقصف إيران في الشتاء الماضي، أنشأت إسرائيل سرا قاعدتين سريتين في صحراء العراق النائية، على ما يبدو من دون علم الحكومة في بغداد. وعندما اقتربت قوات عراقية من إحدى القاعدتين للتحقيق في تقارير عن نشاط عسكري مريب، صدّتها إسرائيل بضربات جوية، ما أدى إلى مقتل جندي وإصابة اثنين آخرين. وتفيد تقارير أيضا بأن إسرائيل تخطط لإقامة قاعدة في أرض الصومال، وهي دولة منشقة تعترف بها إسرائيل وحدها بين الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وذلك لمحاربة الحوثيين في اليمن ومراقبة مضيق باب المندب ذي الأهمية الاستراتيجية، والذي يفصل بين اليمن والقرن الأفريقي. ومن اللافت أن موجة المغامرات التوسعية هذه تأتي بالتزامن مع مسعى إسرائيلي لتطبيع العلاقات الدبلوماسية مع الدول العربية. فحكومتا إسرائيل والولايات المتحدة حريصتان على توسيع اتفاقات أبراهام، وهي الاتفاقات التي رعاها ترامب وطبّعت علاقات إسرائيل مع الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب والسودان. ويعد نتنياهو وترامب هذه الاتفاقات نجاحا مدويا. أما بالنسبة إلى الفلسطينيين، الذين شعروا بأن جيرانهم العرب تجاهلوا محنتهم لعقد صفقات مع إسرائيل، فقد بدت تلك الاتفاقات دليلا على عبثية السياسة. ومن الجدير التذكر أن هجوم 7 أكتوبر انطلق في اللحظة التي كانت فيها السعودية، الدولة الأكثر ثقلا بين الدول العربية، على وشك تطبيع علاقاتها مع إسرائيل. ويصعب ألا يتبادر إلى الذهن أن المعنى الضمني هو: تخلوا عن الفلسطينيين واصنعوا السلام معنا، وإلا فقد تصبحون الهدف المقبل.
ولا يتحدث صانعو النفوذ في المنطقة كثيرا عن الفلسطينيين هذه الأيام. تواصل إسرائيل تقييد المساعدات، وتستمر في إيقاع العنف على قطاع غزة الذي مزقته القنابل وأنهكه البؤس، فيما لا يزال الفلسطينيون في الضفة الغربية يعانون قمعا يوميا على أيدي المستوطنين والجنود. لكن ينبغي ألا يخطئ أحد في قراءة المشهد: فالمطلب الذي لم يجد جوابا، مطلب السيادة الفلسطينية، يقبع في قلب كل هذا الاضطراب الإقليمي، حتى وإن ظل غير معترف به.
غير أن نتنياهو وحكومته لا يبدوان في وارد رفع القمع عن رقاب الفلسطينيين، كما أن إدارة ترامب، رغم تنامي الاشمئزاز الشعبي، لا تبدي اهتماما كبيرا بالضغط على نتنياهو من أجل الفلسطينيين.
ومن خلال المال والحماية والإفراط الدبلوماسي في التدليل، ساعدت الولايات المتحدة في خلق إسرائيل العدوانية التي نراها اليوم. فماذا سنفعل الآن؟ أحيانا أتذكر تلك الأحاديث التي كانت تدور، قبل أن يغيّر 7 أكتوبر كل شيء، حين كان خبراء السياسة الخارجية الأمريكية يتحدثون عن فك الارتباط بالشرق الأوسط. كانوا يقولون إن على الولايات المتحدة أن تتحول نحو الصين. وها نحن هنا الآن، عالقون في الحرب الكبرى الوحيدة التي لم نكن نريدها على وجه الخصوص، ولا يبدو أننا نعرف كيف ننهيها.
وفي هذه الأثناء، في واشنطن، يمضي عبر الكونجرس تشريع من شأنه أن يدمج تقريبا جميع جوانب تكنولوجيا الدفاع الأمريكية والإسرائيلية، من البحث إلى التصنيع، ومن الطائرات المسيّرة إلى الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية، بهدف «تعزيز التكامل طويل الأمد للقدرات المشتركة».
وربما ننجرف نحو وضع راهن جديد، تصبح فيه إسرائيل، المندمجة أكثر فأكثر في المجمع الصناعي العسكري، هي من يدير المنطقة والولايات المتحدة من ورائها. وربما، إذا أردت تمكين مدير جديد، فإنك تمنحه زمام الأمور وتتوقف عن قول لا. وهكذا نراقب ونشجع ونبرر، بينما يمضي أقرب حلفائنا الإقليميين أعمق فأعمق في مأزق سيصبح، بطريقة أو بأخرى، مأزقنا نحن أيضا.
ميغان ك. ستاك كاتبة رأي مساهمة، وقد عملت مراسلة على نطاق واسع من الشرق الأوسط.
خدمة نيويورك تايمز
