القوى الرئيسة التي تشكل الأسواق والجغرافية السياسية

08 يونيو 2026
08 يونيو 2026

إنها لحظة آسرة في عالم السياسة الدولية والأسواق العالمية؛ فالعالم يعيش حالة من الاضطراب، وهذا يرجع في المقام الأول إلى حقيقة مفادها أن الولايات المتحدة التي لا تزال القوة العظمى المهيمنة أصبحت في الأساس طرفا فاعلا غير جدير بالثقة. فالرئيس دونالد ترمب يعمل بنشاط على تمزيق النظام الدولي الذي بنته الولايات المتحدة وقادته على مدار السنوات الثمانين الأخيرة. ومع ذلك تشهد الأسواق المالية حالة من الازدهار، ليس فقط في الولايات المتحدة، بل أيضا في شرق آسيا، وأمريكا الجنوبية، وقسم كبير من أوروبا. فهل المستثمرون مخطئون، أو أن الصورة أشد تعقيدا مما يوحي به هذا التناقض الظاهري؟

برغم أن الوضع معقد حقا فإن ثلاثة عوامل رئيسة ستشكل السياسة العالمية والأسواق خلال السنوات القادمة. أولا: لا توجد عمليا أي قيود سياسية تحكم تطور الذكاء الاصطناعي المتسارع الذي يمثل القوة الدافعة وراء انتعاش السوق، ومن المنتظر أن يستمر للأفضل أو للأسوأ دون أي ضابط أو رابط تقريبا. لقد وصلت أهم ثورة تكنولوجية في التاريخ - الثورة التي ستخلق فرصا استثنائية ومخاطر غير مسبوقة - خلال فترة من «الركود الجيوسياسي» في وقت حيث يتراجع النظام العالمي الحالي ليحل محله شيء جديد لا نستطيع رؤيته بعد.

سوف يؤدي الانهيار المتسارع في العلاقات بين الحكومات الكبرى إلى ترك الذكاء الاصطناعي دون أي تنظيم فعّال تقريبا. تعمل الشركات التي تبتكر النماذج الرائدة الآن كقوى جيوسياسية سيادية؛ لأن اختراعاتها ستثبت كونها أساسية لضمان أمننا وازدهارنا في المستقبل. إنه قانون الغاب المطبق على المنافسة التكنولوجية الشرسة (والممولة بسخاء استثنائي). ولا يدور «سباق تسلح» الذكاء الاصطناعي بين الولايات المتحدة والصين فحسب، بل أيضا بين شركات مثل OpenAI و Anthropic والشركات المنافسة لهما. والحوافز التي تدفع نحو النمو قبل الحذر لا يمكن إنكارها.

ثانيا: سوف يُعَوَّض عن تأثير نمو الذكاء الاصطناعي المتسارع في السوق بضريبة سياسية مستمرة على العولمة. على مدار نصف قرن من الزمن، كان المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي العالمي متمثلا في اندفاع الولايات المتحدة نحو الأسواق المفتوحة لتسريع التدفقات العابرة للحدود من الأفكار، والمعلومات، والأشخاص، والسلع، والخدمات، والأهم من هذا كله رأس المال. لكن الولايات المتحدة لم تعد تقود العولمة. بدلا من ذلك تقود حملة لاستخدام العلاقات التجارية والمالية لتحقيق مكاسب سياسية ضيقة، وهذا يجبر حكومات أخرى على تبني تدابير الحماية لوقاية صناعاتها وعمالها. (برغم أن ترمب تسبب في زيادة هذا الاتجاه حِدّة؛ فمن الجدير بنا أن نتذكر أن الديمقراطيين كانوا يتراجعون عن التجارة الحرة قبل وصوله إلى الساحة).

والنتيجة هي تحول عميق من عقلية المكسب المشترك إلى عقلية المحصلة الصِفرية. صحيح أن دولا أخرى لا تزال مترددة في التخلي عن العولمة، كما يتضح من الاتفاقيات التجارية الرائدة التي أُبرِمَت مؤخرا والتي تضم الاتحاد الأوروبي، والهند، وتجمع ميركوسور (الأرجنتين، والبرازيل، وباراجواي، وأوروجواي)، والصين، وكندا، ودولا أخرى، لكن الاتجاه العالمي نحو سياسات الحماية التي ترجع إلى دوافع سياسية يمثل الوضع المعتاد الجديد في الوقت الحالي.

ثالثا: ينتج العالم مزيدا من «المخاطر الطرفية» (أحداث ضئيلة الاحتمال لكنها شديدة الخطورة) الأكبر حجما - نتائج مدمرة حقا تظل غير مرجحة، لكنها لم تعد بعيدة الاحتمال كما كانت في السابق. قوة عظمى غير جديرة بالثقة تجبر حلفاءها التقليديين على التحوط في رهاناتهم الأمنية والاقتصادية بينما يختبر المنافسون ما أصبح في حكم الممكن. ويتسبب التوتر المتعاظم بين الحكومات في جعل حل المشكلات الدولية أكثر صعوبة وتكلفة.

لنتأمل هنا الحرب الأمريكية - الإسرائيلية ضد إيران على سبيل المثال. كان القرار الذي اتخذه ترمب بمهاجمة الجمهورية الإسلامية ناجما عن ثقة مفرطة، لكنه يعكس أيضا انهيار علاقات أمريكا مع حلفائها - الذين لم يكن لهم أي تأثير على صنع القرار الأمريكي. وكانت النتيجة هي الارتباك التجاري الأكثر حِدّة منذ جائحة كوفيد-19.

صحيح أن الحرب لم تشعل بعد شرارة ركود اقتصادي عالمي، لكن بصرف النظر عما قد يحدث في مضيق هرمز أو جولة محتملة أخرى من المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني في الأمد القريب؛ ينشأ الآن الخطر الدائم المتمثل في عودة الأعمال العدائية إلى الاندلاع من جديد في أي لحظة مع تداعيات عالمية أكبر. علاوة على ذلك؛ أصبح الشرق الأوسط الآن مكانا أشد خطورة مع إتاحة حيز أكبر لعمل قوى مارقة، ومع تسبب التحركات الانتقامية غير المقيدة من جانب الولايات المتحدة في دفع قوى أخرى إلى مزيد من التطرف - سواء كانت جماعات مسلحة، أو ذئاب منفردة مدعومة بتكنولوجيات جديدة خطيرة.

وهذه ليست المخاطر الطرفية الوحيدة ذات الأثر العالمي والناجمة عن عوامل جيوسياسية. يبدو حاليا أن أوكرانيا تتمتع بزخم في حربها ضد الغزو الروسي، لكن هذا يعني أن الرئيس فلاديمير بوتن سيكون في حالة عزلة متزايدة الخطورة. كلما اقتربت أوكرانيا من إضعاف الكرملين يزداد خطر لجوء بوتين في حالة من اليأس إلى توجيه ضربة نووية تكتيكية، أو شن هجمات أكثر عدوانية ومباشرة على دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) الواقعة على خط المواجهة لتغيير قواعد اللعبة. وتزداد احتمالية حدوث هذه النتائج بعد إعلان البيت الأبيض مؤخرا عن تخليه عن أي دور في التوسط لإنهاء القتال.

ليس من المرجح حدوث أي من هذه السيناريوهات الخطيرة، لكنها أصبحت أكثر احتمالا مما يرغب كثيرون في الاعتراف به. وهذه ليست سوى المخاطر المرئية بالفعل. إن الافتقار إلى حوكمة الذكاء الاصطناعي وغيره من أسلحة الحرب الجديدة من شأنه أن يجعل أي صراع يندلع في المستقبل أقل قابلية للتنبؤ بمجرياته وأشد خطورة. وغياب التنسيق في مجال الصحة العالمية -حيث أصبحت الحكومة الأمريكية أقل استعدادا للقيادة، وحُرِمَت منظمة الصحة العالمية من الموارد- يجعل احتمال اندلاع جائحة في المستقبل أكثر ترجيحا واحتمال النجاح في احتوائها أقل.

باختصار؛ من المرجح أن تستمر الاختراقات التكنولوجية التي تدفع الأسواق إلى الارتفاع، لكن خطر حدوث ارتباكات على نطاق ضخم آخذ في الازدياد أيضا. قد تسير أمور كثيرة على ما يرام، أو على الأقل كما هو متوقع - إلى أن تنقلب الأحوال.

إيان بريمر مؤسس ورئيس مجموعة أوراسيا وشركة جي زيرو ميديا، وعضو في اللجنة التنفيذية للهيئة الاستشارية التابعة للأمم المتحدة والمعنية بالذكاء الاصطناعي

خدمة بروجيكت سنديكيت