وليد جنبلاط.. ولا بدَّ من سوريا
11 يوليو 2026
11 يوليو 2026
أنتظر باهتمام مساء كل سبت حلقةً جديدةً من سلسلة أحاديث وليد جنبلاط في برنامج «شاهد على العصر» الذي تبثه قناة الجزيرة. وكنتُ قد كتبتُ عن البرنامج مؤخرًا، وعن مقدمه الذي سيحلو له وصفه بـ»المشاكس» كما أظن.
في ضيافة زعيم «المختارة»، لقي أحمد منصور رجلًا يدنو من ثمانينه: «ومن يعش ثمانين حولًا لا أبا لك يسأمِ» كما يقول زهير بن أبي سلمى، فما بالك لو كان العمر كله مؤرخًا بالحروب والأزمات السياسية؟! بدا جنبلاط متعبًا، وكما لو أنه جاء بنفسه إلى كرسي الاعتراف كي يراجع ماضيه على الملأ من غير مواربة، دون حاجة إلى استنطاقه ومحاصرته ونصب الفخاخ له، كما اعتاد محاوره أن يفعل مع ضيوفه السابقين.
فاجأتني صراحته، كما أحسب أنها فاجأت الجميع ممن لم يعرفوه عن قرب. ووجدته يتجاوز النقد الذاتي أحيانًا إلى سخرية مكتومة من الذات في مرآة الماضي. بطبيعة الحال، لن يغفر الاعتراف المتأخر بالذنب لواحد من أمراء الحرب الأهلية، مهما اعترف بما اقترف، ولكن حسبنا أن الاعتراف بالذنب فضيلة قلما يعرفها السياسيون العرب الذين يكتبون مذكراتهم -إن كتبوا- بغريزة الدفاع عن النفس، فتغلب عليهم كتابة الماضي بما يخدم الحاضر، وربما بما يخدم مستقبلهم بعد الموت.
والظاهر أن زعيم «المختارة» كان يهيئ نفسه ومن حوله لهذه الاعترافات منذ وقت طويل، فكان تنازله عن قيادة الحزب التقدمي الاشتراكي لابنه تيمور، قبل ثلاث سنوات، خطوة أولى في مسار مراجعة التجربة. كما أن الرجل، وفي الفترة نفسها التي بدأت فيها الجزيرة بثَّ شهادته، شوهد في باريس يوقعُ كتاب مذكراته المعنون «قدر من المشرق» والصادر حديثًا عن دار «ستوك» الفرنسية، نفسها الدار التي نشرت مذكرات والده عام 1976، أي قبل سنة من اغتياله.
لن تتاح لي قراءة المذكرات المكتوبة بالفرنسية قبل ترجمتها، لكن صورة الغلاف التي يظهر فيها وليد جنبلاط محاطًا بمشائخ الطائفة الدرزية استوقفتني مثلما استوقفت عبده وازن الذي كتب في مقاله على «إندبندنت عربية»: «كأن جنبلاط شاء أن يغلّب هويته الطائفية على هويته الاشتراكية». وقد تذكرتُ في الوقت ذاته أنه أجاب بعبارة بدت لي غريبة حين سأله أحمد منصور عن طبيعة المسؤولية التي تحمَّلها بعد اغتيال والده، فقال: «الدفاع عن الطائفة من منطلق عروبي»!
لربما لن نعرف زعامة عربية معاصرة تنازعتها الهويتان، القومية والطائفية في آن، كما هو الحال مع آل جنبلاط الذين توارثوا، عبر ثلاثة قرون، زعامة طائفة صغيرة موزعة بين لبنان وسوريا وفلسطين.
يعي وليد جنبلاط، المنتبه جيدًا للتاريخ، أن بلدًا كلبنان ولد من تسوية استعمارية حملت بذور شقائه، فقد ولد طائفيًا! مع ذلك، صدَّق كثير من اللبنانيين فكرة لبنان وآمنوا به وطنًا نهائيًا مستقلًا لا «حديقةً خلفية» لسوريا كما أراده الأسد الكبير ثم الأسد الصغير. وكان الشهيد كمال جنبلاط، ذلك المحافظ المتحرر، أحد الذين حلموا بـ«عروبة ديمقراطية» في لبنان، وهما كلمتان تستوحش كل منهما الأخرى كما نعلم، فمن الصعب أن يتآلفا في سياق واحد بعد عقود من الاستبداد باسم العروبة. فكان حتمًا على كمال جنبلاط أن يصطدم بسوريا، فلقي حتفه بتلك الطريقة المروعة.
«ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى
عدوًا له ما من صداقته بُدُّ»!
هكذا قال أبو الطيب المتنبي، وبرأيه اهتدى الابن الموتور، فكانت دمشق قبلته الأولى بعد أربعين كمال جنبلاط، حيث صافح حافظ الأسد رغم يقينه بأنه قاتل والده. وهنا تدخل أحمد منصور ليسأل ضيفه: «هل عزاك الأسد؟» أجابه وليد جنبلاط متذكرًا: «بل نظر إليَّ وقال: «كم تشبه أباك»!
وما دام الابن يشبه أباه على رأي حافظ الأسد، وفي سمات الشكل على الأقل، فهل يمكن أن نسأل عن مدى «جنبلاطيَّة» وليد جنبلاط؟ عدتُ إلى أرشيف جريدة السفير فوجدتُ الكاتب الصحفي الراحل جوزيف سماحة يطرح هذا السؤال في صفحة أُفردت بمناسبة الذكرى الخامسة لاغتيال «المعلم». والحقيقة أن الابن قد أجاب في أكثر من مناسبة بأنه لا يوازي مكانة والده ولن يسد فراغه في قيادة الجبهة الوطنية. لكنه تعلم الاحتياط من بعض أخطائه، وخاصة في علاقة لا بدَّ منها مع النظام السوري، وهي فرض جغرافي وتاريخي معًا؛ وإلا فإن الخيار الآخر والأخير هو «إسرائيل».
على مدى سنوات الحرب الأهلية اللبنانية، وفي أحلك الظروف، كان وليد جنبلاط يذهب إلى دمشق في كل مرة، كي لا يذهب كغيره إلى تل أبيب.
سالم الرحبي شاعر وكاتب عُماني
