سليمان النبهاني: كلا. لم أقل هذا الشعر!
11 يوليو 2026
11 يوليو 2026
قرأنا كثيرا في السنوات الأخيرة، مع انتشار الإنترنت، أبياتا شعرية منسوبة زورا إلى المتنبي ومحمود درويش ونزار قباني، واقتباسات أدبية تحمل اسم دستويفسكي وماركيز ونجيب محفوظ، وهي أحيانا من الركاكة بحيث تحضر روح أحد هؤلاء لتصرخ محتجة: «أيُعقل أنني تفوهتُ بهذا الهُراء؟!».
وإذا كنا نفهم أن يحدث هذا الاختلاق من مراهقين متحمسين، أو قراء غير متمرسين، فإن حدوثه ممن يحمل صفة باحث أو طالب دكتوراه يضع كثيرًا من علامات التعجب والاستفهام، لأن الاختلاق هنا يدخل إلى فضاء البحث العلمي، المفترض فيه أن يُخضِع النصوص للتحقق، وأن تَسبِق الأمانةُ العلمية أيَّ رغبة في بناء نتيجة مسبقة أو الوصول إلى خلاصة جاهزة.
هذه الخواطر حضرت في ذهني وأنا أقرأ بحثًا بعنوان «توظيف الشعر العماني في تنمية القيم الوطنية لدى طلبة المرحلة الثانوية: دراسة تطبيقية في ضوء شعر سليمان النبهاني»، للباحث أحمد بن طالب المعمري، طالب الدكتوراه في تعليم اللغة العربية بجامعة السلطان إدريس التربوية بماليزيا، بالاشتراك مع الدكتور السيد مكي البشر علي حسن، المحاضر الأول في قسم اللغة الحديثة بكلية اللغات والاتصال في الجامعة نفسها. وقد نشر هذا البحث في «مجلة ابن خلدون للدراسات والأبحاث»، المجلد الخامس، العدد الثامن، بتاريخ 1 أغسطس 2025، ونبهني إليه مشكورًا الباحث المصري أحمد كريّم بلال، مؤلف كتاب «البطولة في شعر السلطان العماني سليمان النبهاني»، الذي قضى سنوات من عمره في دراسة ديوان هذا الشاعر حتى صار أحد المتخصصين فيه.
يذكر البحث في ملخصه أنه يسعى إلى الكشف عن دور الشعر العماني، ممثلًا في شعر سليمان النبهاني، في ترسيخ القيم الوطنية، من خلال تحليل مضمون القصائد الوطنية، واختبار أثرها في البيئة الصفية عبر تطبيقات تربوية مقننة، وخلص الباحثان فيه إلى أن توظيف الشعر العماني يعزز مستوى الشعور الوطني ويفعّل القيم المجتمعية بصورة مؤثرة تفوق الأساليب التقليدية المجردة. وهو بحث لا يكتفي بتحليل الأبيات المُستشهَد بها من داخلها، بل يتحدث أيضا عن استبيان موجّه إلى طلبة المرحلة الثانوية، شملت عينته 150 طالبا وطالبة من مدارس حكومية في ولاية الرستاق، استُرجِعت منها -كما يقول الباحثان- 142 استبانة صالحة للتحليل، أي بنسبة استجابة بلغت نحو 94.6%.
كان يمكن لهذا المدخل أن يبدو طبيعيًّا، لولا أن الباحثَيْن نسبا إلى السلطان سليمان بن سليمان النبهاني أبياتًا كثيرة ليست من شعره، بحسب ما أكده لي الدكتور أحمد كريّم بلال. وهي، في جملتها، لا ترد في ديوان النبهاني، ولم يشر الباحثان إلى موضع وجودها في الديوان، ولا إلى قصائدها، ولا إلى صفحاتها، ولا إلى طبعة يمكن الرجوع إليها، وهو ما يمكن أن نعده انهيارًا في أساس الدراسة. كما لفت الدكتور أحمد إلى الركاكة الأسلوبية في هذه الأبيات؛ فشعر النبهاني، كما يعرفه دارسوه، فخم جزل رصين، أما هذه الأبيات فتنتمي إلى مستوى لغوي مهلهل، أقرب إلى إنشاء مدرسي مرتبك منه إلى شعر شاعر قديم، له لغته الفخمة المعروفة. ويكفي أن نقرأ بعض الشواهد حتى يتضح مقدار الفارق بين شعر النبهاني المعروف وهذه الأبيات المنسوبة إليه.
من ذلك مثلًا أن بعض الأبيات تحمل ألفاظا عصرية تنتمي إلى خطاب وطني حديث، لا إلى زمن النبهاني الذي مات قبل خمسة قرون ولا إلى معجمه الشعري. على سبيل المثال ترد عبارة «نحن شعب» في بيت منسوب إليه يقول: «نحن شعبٌ إذا اصطففنا جسادًا / لا يفلُّ الحديدُ عظمَ الفِدا»، وعبارة «من ترابك يا عمان ابتدأنا» في بيت آخر هو: «من ترابك يا عُمانُ ابتدأنا / وإليك الرجوعُ حين الفِطامِ». والبيتان معًا يبدوان أقرب إلى أناشيد مدرسية معاصرة منهما إلى شعر النبهاني، سواء في نبرة الخطاب أو في تركيب العبارة أو في الحس الوطني الحديث الذي يحكمهما.
عدا ذلك فإن ثمة أبياتا تعلن الولاء للسلطان والائتمار بأمره، مع أن الشاعر الذي نُسبت إليه هو السلطان سليمان النبهاني نفسه! ففي البحث بيت يقول: «نحن جندٌ لسلطان نرتضي / ما ارتضاهُ لنهج العلا سبلا»، ثم يليه بيت آخر: «لو دعا للجهاد باسم العلا / لارتقينا الدروب رجالًا وُلا». فكيف يكتب السلطان شعرا يعلن فيه أنه جندي لسلطانه؟!
وتزداد دلائل الاختلاق حين ندخل إلى بنية الأبيات نفسها. ففي البيت: «ولنا في الزمان سنا سُلطَنٍ / لم يخالط دجى المجد ظلا» تظهر كلمة «سُلطَن» بدون أي معنى واضح، وكأن واضع البيت أراد كلمة «سلطان» ثم تصرف فيها لمقتضيات الوزن الشعري. وفي بيت آخر: «نحن أبناء من بنى المجد صرحا / وسقاه من عزمه والبُطولا» كلمة «البُطولا» لا معنى لها كذلك، ولعل مختلِقَ البيت أراد كلمة «البطولة»، ثم أَخضعها قسرا لتوافق القافية.
وتتوالى الاختلالات العروضية والنحوية في عدد من الشواهد. من ذلك: «يا بلادي وإن نأيت ديارًا / فالهوى فيك ما انفك مقيما»، وهو بيت من البحر الخفيف يختل شطره الثاني. ومن ذلك أيضا: «أرض عمان إن بعدنا قليلًا / عدنا لها كلما ضاق فينا المقام»، و«في صحائفنا المدى والسيوف / والفتوح التي ملأتها العلا»، و«ذكرنا في الدنا كالصباح الجلي / لا يغيب، وإن توارى الطلى»، و«إذا اجتمعنا فالدهر يسمع صوتنا / وإذا افترقنا مات فينا الندا». هذه كلها أبيات مختلة عروضيًّا إما في شطرها الأول أو الثاني، ولا يمكن أن تمر في شعر شاعر متمكن بهذه السهولة، وما هي إذن إلا علامات ظاهرة على نص مصنوع، أو منقول نقلًا فاسدًا، أو ملصق باسم شاعر لا صلة له به.
ومن الشواهد التي تكشف حداثة اللغة أيضا البيت: «يدٌ بيدٍ نبني العُلى لا انفصامَ / في الرؤى، أو تفرّقًا في الصدى». فاللغة هنا تنتمي إلى قاموس التنمية والعمل الجماعي ووحدة الرؤية، ثم يأتي تعليق البحث عليها بالروح نفسها، متحدثا عن البناء المشترك والانسجام في الرؤية والوحدة التشاركية المنتجة، وكأن البيت صيغ أصلًا ليخدم التحليل التربوي اللاحق، لا ليعبّر عن تجربة شعرية قديمة مستقلة.
نحن إذن أمام بحث تقوم مادته الأساسية، كما تكشف الشواهد، على نصوص منسوبة إلى النبهاني من غير سند، ولا تشبه شعره لغةً ووزنًا وسياقًا، ثم بُني عليها تحليل للقيم الوطنية، وأُضيف إليها حديث عن استبيان ونتائج ميدانية. وإذا كانت النصوص التي عُرضت على أنها شعر النبهاني غير موجودة في ديوانه، ومضطربة في لغتها ووزنها وسياقها، فإن النتائج التي استُخرجت منها تفقد بكل تأكيد قيمتها العلمية.
المحزن هنا أن الشعر العماني لا يحتاج إلى مثل هذا التلفيق. ففيه من النصوص الصحيحة الموثقة ما يكفي لدراسة القيم الوطنية، وفي شعر سليمان النبهاني تحديدًا مادة غنية لمن أراد أن يدرس البطولة والفخر والسياسة والتاريخ والذات العمانية. والمؤسف، في النهاية، أن تجد أشعارٌ ركيكةٌ ومزيفة كهذه التي عرضتُها طريقَها إلى بحث أكاديمي، بل وتتحول إلى نتائج واستبانات وخلاصات تُنشر باسم العلم والمعرفة.
سليمان المعمري كاتب وروائي عُماني
