مُواءٌ بعيدٌ قريب
19 يوليو 2026
19 يوليو 2026
1. زمن الشاحنات
«هذا زمن الشَّاحنات».
هكذا كانت تقول له؛ فقد كانت ولهى بهذه العبارة التي أطلقتها على نحوٍ ممسوس لسبب أو لآخر، وصارت تقولها بصورة آليَّة تقريبًا حتى وهما منخرطان في الفعل الحميم في غرفة النَّوم، أو يشربان القهوة أو الويسكي في صالة الشقَّة الصغيرة، أو وهما يأخذان ملابسهما المتسخة للغسيل في واحدة من مكائن الغسيل والتجفيف التي تعمل بالنُّقود المعدنيَّة في قبو المجمع السَّكني، أو حتى حين يكتشفان أنه لم يتبقَّ لديهما طعام في الثَّلاجة ولا في صندوقها التَّجميدي.
لم يفهم، ووافق على أن «هذا زمن الشَّاحنات» من دون الاضطرار إلى قيادة سيارتهما الصَّغيرة بسرعة على الطَّريق السَّريع المليء بالشَّاحنات.
هكذا، إذن، لم يتبرَّع بالسؤال عن الشَّاحنات وزمنها؛ فقد اقتنع، ضمنيّا، أن «هذا زمن الشَّاحنات» بالفعل، وليس أمامهما خيار غير هذا (والشَّاحنات، في أي حال، كثيرة جدًا في الطُّرق السَّريعة التي كانا يمخرانها). زِد إلى ذلك أن كل علاقة تنطوي على تقديم تنازلات بالضَّرورة، وينبغي التقليل من احتمالات الإصابة بالصُّداع قدر الإمكان.
هكذا، إذن، تعامل مع «زمن الشَّاحنات» بصورة تختلط فيها الأريحية والهدوء باللامبالاة والاستحسان المحايد والاضطراري، وتطبيق النَّصائح المتداولة في التَّعامل الإيجابي مع الشطحات كي لا يُتَّهَم بأي شيء.
«هذا زمن الشَّاحنات» بالفعل، ولكنه لا يستطيع أن يفعل شيئًا حيال الأمر، ولا يريد أن يعرف لِمَ هذا «زمن الشَّاحنات»؟، ولا يرغب في أي شجار بحجم سيارة رُكَّاب صغيرة أو بحجم شاحنة، وأظن أنه كان ماهرًا في تجنُّب الاصطدام في آخر لحظة.
اليوم، وبطريقة أعجوبيَّة المناورة ومهارة جاءت بصدفة الرَّمية التي من غير رامٍ، تفادى شاحنة عملاقة (لا بد أنها تحمل التَّاريخ إلى شيء من الأقطار)، وكانت متوجهة إلى ضلوعه مباشرة.
أدرك اليوم، بعد زمن طويل، وتحاشيًا للسؤال الذي لم يبرح مرحلته الجنينيَّة، أن «هذا زمن الشاحنات» فعلًا.
تذكَّر تلك المرأة، وابتسم بحنين وشوق باهتين، ثم استأنف الذهاب إلى شقَّته التي لا توجد فيها أي شاحنات، ولا يوجد عنوانها الإلكتروني أيضًا، فقد افترقا، وتباعدا، ولم يعد أيٌّ منهما يدري شيئًا عن أحوال الآخر في «زمن الشَّاحنات».
2. مُواءٌ قريب بعيد
بعد خصامنا الذي استمر أيامًا اقترحت الذهاب بالسيارة إلى الرِّيف لإزالة آخر شوائب يمكن أن تكون قد تبقَّت بيننا. في الطريق قالت إنها نسيت إطعام القطَّة، فرددت عليها بألا تقلق لأن غيابنا عن البيت سيكون قصيرًا. وصلنا إلى بحيرة تمشينا في الأحراش المحيطة بها ثم اقتعدنا ضَّفتها. كانت هناك مجموعة من طيور البط زاهية الألوان تسبح بصورة جماعية منتظمة وكأنما جهاز تحكم من بعد يأمر حركتها الآلية والرشيقة. التقطتُ حصاة وقذفت بها فهرعت البطَّات نحوها بطريقة ميكانيكية سريعة، ثم انصرفتْ بعد اكتشافها أن ما طوَّحتُ به في البحيرة لم يكن طعامًا. لكني ما لبثت أن قذفت حصاة أخرى فهرعت البطَّات مجددًا بنفس الحماس السابق، وانصرفت بنفس الخذلان السابق أيضًا. ألقيت حجرة ثالثة، ورابعة، وتكرر المشهد، وأنا أقول لها ضاحكًا إن السبب كله يكمن في «المُخِّ الصغير» لهذه الطيور، والذي لا يسمح لها بتنفيذ عمليات عقليَّة معقَّدة، فهو لا يتيح لها اكتشاف المقلب، بل يؤدي إلى الوقوع فيه بغباء المرة تلو الأخرى «كما الآن، انظري»!، وقذفت حصاة أخرى في البحيرة تبعها موسم هجرة بَطِّيّ جماعي إلى الدوائر التي تكونت على سطح الماء. كنت أضحك، وهي تصرخ بعتاب واستياء طفوليين رقيقين، وتحاول الإمساك بذراعي متوسلة أن أكف عن تعذيبي اللاهي لتلك الكائنات المسكينة.
في صباي كانت لديَّ بندقيَّة «كسر» أزهقتُ بها أرواح عدد لا بأس به من الغربان، والعصافير، والحمام. وكانت في بيتنا قطةٌ تحبّها أخواتي حبًّا جمًا. ذات ظهيرة قائظة، وبدون أي سبب، أخذت أطلق الرصاص عليها وهي تفر محاولة الاختباء مني في زوايا غير مكشوفة. كانت كلما ازدادت توسلات أخواتي وصرخاتهن المستنكرة ازدادت مطاردتي الساديَّة للقطة وتصويباتي عليها، ثم توقفت بعد أن نفد ما لديَّ من رصاص. ظلت المسكينة تلعق جراحها وتعرج، بينما أخواتي يطبِّبنها لأكثر من شهر، حتى شفيت من الجراح لكنها ظلت تعرج.
قبل ذلك بسنوات ماتت في بيتنا قطة أخرى كان شيء من تكون وعيي الحسي قد ارتبط بها؛ إذ كانت تصطفيني وتجيء إلى فراشي في كل ليلة، فأغطيها باللحاف وأحتضنها وهي نائمة بقربي حتى الصباح. عندما ماتت القطة فجأة حزنت حزنًا شديدًا، وحملتها في آخر العصر إلى البحر. هناك غسلتها، وكفَّنتها، وحفرت لها حفرة عميقة في الجزء المبتل من الشاطئ، ودفنتها، ثم انتحبت على قبرها الصغير، وكنت أفعل ذلك بصورة طقسية. حين هبط الظلام عدت للبيت، ونمت وحيدًا للمرة الأولى منذ مدة طويلة. في اليوم التالي أصابتني حمى شديدة استمرت أيامًا.
قلت لها: «ما رأيك في مغادرة المكان فقد بدأت أحس بانقباض»؟ كنت مقتضب الكلام وشاردًا في طريق الإياب.
عبدالله حبيب كاتب وشاعر عُماني
