من أنا بدون المسمى الوظيفي؟
19 يوليو 2026
19 يوليو 2026
ذهبتُ مؤخرًا لحضور فعالية، واشتريت تذكرة «كبار الشخصيات»، وجلست في الصف الأول، كان كل شيء يوحي بأنني في مكاني الطبيعي، لكن شيئًا صغيرًا بدأ يتضح لي: لم يلتفت إليّ أحد من المنظمين، ولم أُعامَل بوصفـي «شخصية مهمة».
وأنا أجلس هناك، أراقب المشهد، أدركت شيئًا، لم أكن قد سمّيته من قبل: ترك الوظيفة الحكومية المرموقة لم يكن انتقالًا مهنيًا فحسب، بل كان إعادة تعريف للهوية، فالوظيفة لم تكن مجرد راتب أو منصب، بل كانت إطارًا جاهزًا للتقدير، وبطاقة تعريف اجتماعية مختصرة، ونظامًا يضعني في مكان واضح داخل الهرم.
كنتُ أدخل أي فعالية، فيُعرَّف بلقبي قبل اسمي، وكان ذلك يحدث بسلاسة، دون أن أطلبه؛ لم أكن أراه امتيازًا حينها، فقد كنت أراه حقاً طبيعيًا، في تلك القاعة، شعرت أن الضوء انحسر قليلًا، لا أحد يعرفني هنا من خلال «الوظيفة».. أنا فقط حمده بنت سعيد، عندها اكتشفت أن الاحتفاء لم يكن بي بقدر ما كان بالمنصب.
تغيّر المشهد أثناء خروجي، حين بدأ الناس يلتفون حولي، ولكن حول الهوية الأخرى: «الكاتبة والمؤثرة»، عرّفوا بأنفسهم كمتابعين لأعمالي وقراء لعمودي الصحفي، هذه اللحظات أبهجتني بصدق؛ لأن هذا التقدير لم يكن صادرًا عن «بروتوكول»، بل عن «أثر».
وهنا فهمت الفرق لأول مرة بوضوح: هناك مكانة يمنحها لك المنصب، وهناك حضور تبنيه بنفسك، المكانة مريحة، والحضور أصدق.
عندما غادرت الوظيفة، ظننت أنني أترك إطارًا مهنيًا فقط، لكنني في الحقيقة كنت أترك هوية جاهزة؛ هوية تسبقني إلى الغرفة وتختصر عليّ عناء التعريف، الآن، أنا من يصنع إطاري الخاص.
ربما كل من غادر منصبًا رسميًا مرّ بهذه اللحظة، حتى لو لم يعترف بها: لحظة يجلس فيها في الصف الأول دون لقب، ليدرك أن الضوء الذي اعتاد عليه لم يكن ملكاً له بالكامل. وهنا تبدأ الرحلة الأجمل: من أنا بدون بطاقة التعريف؟
ليس السؤال تهديدًا، بل هو فرصة؛ أن أعرف نفسي خارج النظام، خارج الهرم، وخارج الترتيب الرسمي، أن أختبر قيمتي حتى عندما لا يُدرج اسمي في قائمة الضيوف الرسمية.
خرجت من تلك الأمسية بفهم هادئ: لم أفقد مكانتي، بل فقدت «الإطار»، والإطار الذي يُصنع من الداخل أبطأ في البناء، لكنه لا يسقط بقرار استقالة أو تقاعد.
ربما هذا هو النضج الذي لم أكن أبحث عنه، لكنه جاءني على هيئة صف أول لا أحد يعرف فيه من أكون، سوى أنا.
حمدة الشامسي كاتبة عُمانية في القضايا الاجتماعية
