في حياة «الفشارة» والتكلف

05 سبتمبر 2026
05 سبتمبر 2026

أجزم أن ما أصبح يُثقل على كاهل الإنسان اليوم، ليست الأعباء المالية وما يدور في فلكها فحسب، إنما تخليه عن مبدأ البساطة، واتخاذه «الفشارة» أسلوب حياة، ليضيف بذلك عبئا جديدًا إلى سلة الأعباء التي يرزح تحتها، والتي تقول مرحبة: هل من مزيد؟

تدفع الطموحات عالية السقف وحُب المظاهر، بـ«الفشّار» محدود الدخل خاصة، للخروج من دائرة واقعه نحو حياة غريبة لم تُخلق له، تفتقد إلى القناعة والرضى، فتُحيله مع مرور الوقت إلى مُنهك، غير قادر على مواكبة مُتطلباتها المتضخِمة.

ماذا يعني هذا؟ يعني أنه لا يريد فهم واقعه وظروفه، ولا إدراك أن حكمة الله سبحانه وتعالى تقضي بخلقِ البشر متفاوتين في القدرات، وأن هذه ليست نقيصة قد تؤخذ عليه، إنما هي قراءة صحيحة للواقع، تورِثُه راحة البال وسكينة النفس.

إن ما يُزعج إنسان العصر ويُقلِقه ويقضُ مضجعه، ليس عوزه وضعف موارده، إنما عيشه خارج واقعه، هو مأزوم بسبب «فشارته»، فمن يحتكم على راتب شهري قدره ٦٠٠ ريال عُماني مثلًا، يعيش وِفق راتب قدره ١٠٠٠ ريال عماني، ومن هو بحاجة إلى منزل مساحته ٣٠٠ متر مربع، يقتني منزلًا تتجاوز مساحته ٦٠٠ متر مربع والحُجة الجاهزة لأنه «بيت العمر» !!

من المفارقات العجيبة، أن يميل المُقتدر إلى انتهاج أسلوب حياة سلِس معتدل غير متكلف، وهو مستمتع بذلك، في الوقت الذي يُصر فيه محدود الدخل، على اعتماد نظام حياة مُرهِق له تبِعاته.

ذات مرة طَلب منا أحد كبار التجار ـ وهذه قصة حقيقية ـ كأصدقاء اعتادوا ارتياد المقهى، أن يُرينا سيارته الجديدة، تفاجأنا جميعًا أنها سيارة متواضعة، لا يتجاوز سعرها الخمسة آلاف ريال عُماني.

قدم لنا الرجل شرحًا موجزًا لمميزات السيارة، وعندما انتهى علّق أحد الحاضرين ممازحًا: «هاذي السيارة ما تليق بك أبو أحمد»، فجاء رده مختزِلًا لتجربته الحياتية الطويلة قال: «السيارة مجرد أداة لقضاء المشاوير، والمنزل ليس غير مأوى يمنع عنا برد الشتاء وحر الصيف، أما الدشداشة فما هي سوى قطعة قماش تستر أجسادنا، فلماذا المبالغة والاستعراض؟!، أنا مجرد إنسان بسيط أسأل الله أن يتولاني برحمته».

ترك الرجل - الذي تُوفي مؤخرًا - أثرًا عميقًا في نفوسنا، ليس لأنه ثري اختار حياة بسيطة، إنما كونه بعث إلينا برسالة مفادها، أن البساطة قيمة رفيعة تُشعر الغنيّ بالراحة والطمأنينة ورضى النفس، وتجنبه الكِبر والغُرور، وفي الوقت ذاته، تحمي الفقير دون الوقوع بين براثن الحاجة والديون والمذلة.

عُمر العبري كاتب عُماني