لماذا بتنا نحتاج أن نتثقف ماليًا؟

06 سبتمبر 2026
06 سبتمبر 2026

سألتني والدتي عن وظيفتي الحالية بعد حوار في جلسة عائلية بدا لها مربكًا. أجبتها بأنني مستشارة مالية، أساعد النساء على إدارة أموالهن. بدت الحيرة على وجهها قبل أن تسألني: ولماذا قد يحتاج أحد إلى أن يتعلم كيف يدير أمواله؟ وما الذي تعلّمينهن إياه بالضبط؟

طوال الطريق إلى مسقط العامرة، وأنا أفكر في هذا السؤال العفوي من والدتي -حفظها الله-: لماذا فعلًا بتنا نحتاج إلى من يعلّمنا كيف ندير أموالنا؟

فقد كانت الحياة، قبل سنوات قليلة مضت، في غاية البساطة. كان المال يمثل لنا دخلًا يوفر أساسيات الحياة من مسكن ومأكل وملبس. نقود نستلمها من صاحب عمل أو زبون، نضعها في جيوبنا، أو تصرّها الأمهات في طرف الثوب، ثم تُنفق على أساسيات الحياة. لا حاجة إلى حسابات، ولا خزنة، ولا موازنات. فجأة، أصبح موضوع بسيط كهذا في غاية التعقيد، نعجز عن فهمه واستيعابه من دون تعليم وتدريب.

فالراتب لم يعد يُصرف على المأكل والملبس فقط. فقد ظهرت منتجات كثيرة أقنعتنا بأنها «أساسية»، وأصبح كل ما حولنا يدعونا إلى الإنفاق. إعلانات الشوارع، وكراتين حبوب الإفطار، وشاشات هواتفنا، وواجهات المحلات؛ كلها تطلب ما في جيوبنا.

حتى لو تحايلنا على أنفسنا وأخفينا أموالنا في حسابات التوفير، سيصل إليها دعاة الاستهلاك. فأصبحنا نحتاج إلى تعلّم طرق تعزيز الدخل، ليتسع دخلنا لكل هذه الرغبات، وطرق إدارة المصروفات، لنجد متسعًا لرغبة جديدة لم نحسب لها حسابًا. أو نستعين بجهات التمويل التي تساعدنا على شراء هذه الرغبات، مقابل حصة من أموالنا ندفعها لها.

وبالتالي، إن لم تكن حذرًا، وإن لم تصبح «مثقفًا ماليًا»، فقد يتم استدراجك إلى حيل لزيادة الدخل لا تفهمها، فتضيع أموالك، والأسوأ أنها قد تفضي بك إلى مساءلة قانونية. حتى موضوع مثل شراء بيت، الذي كان يبدو في الماضي قرارًا بسيطًا وواضحًا، أصبح اليوم يحتاج إلى معرفة وفهم، وربما إلى مستشار يدرك خبايا الأمور.

وهكذا أصبحت الثقافة المالية جزءًا رئيسًا من ثقافة الحياة اليومية التي بتنا نحتاج إليها. وأصبحنا بحاجة إلى مستشارين ماليين يشرحون لنا أسباب عدم تحرك رصيد القرض الذي أخذناه قبل عشر سنوات، رغم أننا ندفع أقساطه باستمرار. نحتاج إلى من يشرح لنا لماذا ضاع مبلغ الاستثمار الذي وضعناه في السوق، رغم كل الاحتياطات التي ظننا أننا اتخذناها.

فنكتشف أن الأمور لم تعد بالبساطة التي كانت عليها عندما كنا صغارًا، أو كما كانت في زمن أجدادنا. إذ بتنا بحاجة إلى من يفك لنا رموز أموالنا: كيف تأتي؟ كيف تُنفق؟ كيف تُدار؟ كيف تُستثمر؟ وماذا تفعل بنا، قبل أن نسأل: ماذا نفعل بها؟

ربما لهذا السبب تحديدًا أصبحت الثقافة المالية ضرورة، وليست ترفًا. فالمال اليوم لم يعد مجرد نقود نضعها في جيوبنا ثم ننفقها على احتياجاتنا. أصبح منظومة معقدة من القرارات والمنتجات والالتزامات والفرص والمخاطر.

حمدة الشامسية كاتبة عُمانية في القضايا الاجتماعية