الموسوعة العربية.. تعالوا لنُعفِ الكتابة مما ليس منها
05 سبتمبر 2026
05 سبتمبر 2026
بعد أقلَّ من عامٍ على الإنجاز الكبير بإطلاق «معجم الدوحة التاريخي للغة العربية»، المشروع الذي يحلم صنَّاعُه كما نحلم معهم بأن يأخذ لغتنا إلى المستقبل، تأتي البشارة الجديدة من العاصمة القطرية لتعلن إطلاق النسخة التجريبية من الموسوعة العربية الشاملة (أرابيكا).
ومن حقنا، عربًا، أن نستقبل طلائع هذا الإنجاز بفرحة انتصار خجولة في نهار هزيمتنا المروعة. هذا ما تبقى لنا، وهذا هو الممكن الذي نناوش به حدود المستحيل العصيّ، وهذا هو «الانتقام» الثقافي على إبادتنا.
أول ما سمعناه من عزمي بشارة، المفكر العربي الذي يقود المشروع، أن العمل على الموسوعة العربية جاء متأخرًا زمنيًا رغم عدة محاولات قُطْرية سبقتْ.
وقد جاء المشروع بعد تردد طويل من القائمين عليه، ربما بسبب الخشية من عدم واقعية هذا الحُلم الشاق والمترامي الأطراف الذي يشبه التقدُمُ فيه السيرَ على خط الأعداد نحو اللانهاية. فكيف يمكن حصادُ حصادِ المعارف الإنسانية جلها، خاصة تلك المتعلقة بأمةٍ شديدة التنوع والثراء والقِدم، وشديدة الجدل والانقسام حول ذاتها أيضًا، وهي الأمة العربية التي تنطق الموسوعة باسمها؟ وكيف يمكن تشكيل فريق علمي وتحريري يُكلَّف برقمنة كل تلك المعارف الهائلة وتوضيبها وتنقيحها من الزلل والشوائب والمبالغات الأيديولوجية؟ والحديث هنا عن 1500 مؤلِف وأكثر من 200 محرر علمي حسب تصريح منسق مشروع الموسوعة، طارق حمود، في ندوة أقيمت في مايو الماضي.
عدد المشتغلين الضخم، هو بحد ذاته، يحتمل أن يصبح مشروع من هذا النوع بؤرة ائتلاف وتكتل علمي وثقافي، غير مسبوق ربما، أو قلما يحدث في العالم العربي. ويمكن لهذا التجمُّع أن يشكل أساسًا لمعمل تفكير ونقاش ودراسة تنبثق عنه مشاريع أخرى في المستقبل. غير أن المعنى الأجلى الذي يبرز من هذا المشروع القَطري العربي، هو إعادة الاعتبار للعرب بوصفهم أمةً: «فالناسُ لا يولدون أمةً، الأمةُ تُبنى» كما يرى عزمي بشارة في كتابه «أن تكون عربيًا في أيامنا». وهذا ما ساهمت به دولة قطر بتبنيها مشروع الموسوعة ومشروع المعجم التاريخي من قبل، أو حتى من خلال تنظيم مسابقة كأس العرب لكرة القدم. في حواره المهم مع الكاتبة والمترجمة السورية نور حريري على تلفزيون العربي قبل أيام، قال عزمي بشارة: إن الموسوعة العربية تمثل «انحيازًا للحقيقة» في ظل رواج الاعتقاد بدخولنا عصر ما بعد الحقيقة، مؤكدًا أن ادعاء «الحياد» ليس هو المنشود في السياسة التحريرية للموسوعة بقدر أهمية «الموضوعية» شرطًا ومعيارًا، فالمواد المنشورة على موقع أرابيكا لا بدَّ أن تحمل معالمَ أصحابها الذين يوقعون بأسمائهم عليها من باب تحمل المسؤولية أولًا، ومن باب الاعتراف بشغلهم في الوقت ذاته. لن أشغل هذه المساحة بتعداد ميزات الموسوعة الجديدة أو بذكر تفاصيل وأرقام ومعطيات تعريفية يذكرها الموقع نفسه لزواره. فذكر المذكور وشرح المشروح لم يعد من مهامّ الكتّاب في عصر الذكاء الاصطناعي، هذا إن شئنا صيانة معنى الكتابة من الانحلال والتّكلس، وإن شئنا - عن جدٍّ وأصالة مسعى - الارتقاء بمعايير هذه الحرفة بإعفائها أولًا من مهام ووظائف ومسؤوليات كانت لها، ولم تعد لها. وأعتقد أن الموسوعات عمومًا، وهذه الموسوعة بالذات، ستقدم مساعدة من هذه الناحية في مستقبل الكتابة.
إن شرح المشروح وذكر المذكور وتعريف المعروف لم يعد - ولحسن الحظ - من قبيل «الكتابة» في شيء. أقولها بجرأة لا تَلزم ولا تُلزم أحدًا سوى قائلها: لم تعد من قبيل الكتابة في شيء! وفي هذا السياق يمكن لمشروع الموسوعة العربية أن يسهم بدوره في إنقاذ الكتابة العربية من ظاهرة تفشَّت قبل ظهور الذكاء الاصطناعي بوقت طويل، إذ يمكن رصدها بوضوح مع شيوع الإنترنت فضاءً معرفيًا مفتوحًا ومساحة للكتابة الحرة (ولو بالمعنى الفوضوي)، وهي ظاهرة الكتابة بالتوليف لا بالتأليف؛ كتابة تقوم على تجميع معطيات ومعلومات وأفكار متاحة، وليس فيها من الاشتغال سوى إعادة ترتيب العناصر وتوليفها في صورة جديدة. وقد أتقن اللعبةَ من يسمون اليوم بـ«صناع المحتوى» على الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، فسحبوا البساط من تحت كتاب هذا النوع من المقالات.
أزعم أن الموسوعة العربية ستُعفي الكاتب أو الباحث العربي من مشقة «اختراع العجلة»، وستمنحه وقتًا أصفى للتدبر في الفراغات. فلن يتحفنا كاتب بعد اليوم بكتابة مقال يعيد فيه سرد سيرة كارل ماركس على سبيل المثال، ما لم يكن مقاله نقديًا بما يكفي، أو جدليًا مزعزعًا للثوابت أو هدَّامًا لما تكرَّس اعتقاده عن الموضوع. فها هو الأستاذ عزمي بشارة قد وضع بنفسه مدخلًا مطولًا عن كارل ماركس في الموسوعة مذيلًا بالمراجع. فمن لم يأتِ بجديد فعليه أن يقتبس، مع أن الاقتباس نفسه بات مشكلة في الكتابة العربية المعاصرة الشائعة، وينبغي الاقتصاد فيه. يتيح الموقع التجريبي (مختارات من أرابيكا) تصفية نتائج البحث وفقًا للبلدان العربية. وحين اخترتُ «عُمان» ظهرتْ لي خمسة مداخل فحسب عن بلدي. اللافت أن الشخصية العمانية الوحيدة التي تظهر ضمن نتائج البحث المتوفرة حتى الآن هي شخصية السيد بدر بن حمد البوسعيدي الذي يُعرّفه فريق التحرير على النحو الآتي: «دبلوماسي وسياسي عُماني بارز، يشغل منصب وزير الخارجية في سلطنة عُمان منذ 18 آب/ أغسطس 2020. ويُعد أول شخصية من الأسرة الحاكمة (آل بوسعيد) تتولى هذا المنصب في التاريخ الحديث للسلطنة، بعد مسيرة دبلوماسية امتدت لثلاثة عقود. اشتُهر البوسعيدي بتبنّي «الدبلوماسية الوقائية»، والوساطة في ملفات دولية شائكة كالملف الإيراني واليمني. نال وسام الإشادة السلطانية عام 2025». هذا موجز قصير عنه من مادة أطول.
خطر في بالي التساؤل عن الموسوعة العمانية: أما آن أوانُ رقمنتها لتكون متاحة لمحركات البحث وقد مرَّت أكثر من عشر سنوات على صدورها؟ أحمل شخصيًا مخاوف كثيرة، وربما ارتيابًا وعدم ثقة من تبعات إتاحة هذه المنجزات المعرفية المطبوعة لمحركات البحث، فذلك يعني أن آلة الذكاء الاصطناعي ستلتهمها لا محالة بمجرد إتاحتها على الفضاء الرقمي. وقد يعيد الذكاء الاصطناعي تشظيتها في كتابات لن تخدم المتن المعرفي الأصلي بالضرورة، ناهيك عن إغفال حقوق صنَّاعه الأصليين. لكننا في المقابل نشكو غيابًا واضحًا عن الوجود الرقمي، فثمة فراغ معرفي عن عمان ستحتله بيانات غير دقيقة، وربما مضللة، ما لم يُغذَّ هذا الفراغ الرقمي بالمعرفة المنقَّحة والدقيقة.
لا بدَّ من التفرُّغ منذ الآن فصاعدًا لاكتشاف غير المرئي، هذه مهمة الأدب منذ القِدم، وكأن مستقبل الكتابة سيصبُّ في صالح الأدب الخالص، رغم مخاوفنا الكثيرة وعلى غير ما هو متوقع، ما دام المرئي قد أصبح منجزًا ومرئيًا إلى هذا الحد، إلى حد يثير الضجر والكآبة من «الحقيقة» المشرَّحة كالفضيحة، والتي تمددت فوق مساحات الأنبياء والشعراء والمشعوذين والسحرة وحرمت قارئة الفنجان من رزقها. لكننا في الوقت ذاته يجب ألا ننسى ضرورة إعادة اكتشاف العالم المرئي ذاته من حين إلى حين، من أجل تنقيح المرئي وتصويب ما كان معلومًا بالضرورة.
سالم الرحبي شاعر وكاتب عُماني
