لماذا يحرقون القرآن؟!
ما هذا الذي يحدث في العالم الغربي المليء بالتناقضات الفجة التي لا يصدقها أي عاقل؟
إن احترام الأديان جميعها واجب على كل إنسان في هذه الأرض وهذا ما فعله رسولنا محمد خاتم الأنبياء والرسل حينما رسخ بأمر إلهي هذا المبدأ المستقيم من خلال قول الله تعالى في محكم آياته العظيمة:
" لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين"..
لذا خلق الله البشر باختلافهم وأنزل رسالاته السماوية والأنبياء حسب كل أمة وزمان، فكانت حكمته أن يخلق البشر أجناسا وأديانا لتتعايش وترسخ الاحترام والعدالة والرحمة.
لقد عانت الإنسانية من الظلم كثيرا ولكن أكبر المشكلات كانت تلك الحروب التي ارتكب أصحابها مذابح جماعية عنيفة بسبب إدخال الصراعات الدينية بينهم، فمثلا حينما انقسمت الكنيسة المسيحية أباد الأوروبيون بعضهم في الحرب المسماة بحرب الـ30 عاما بين الكاثوليك والبروتستانت من عام (1618 إلى 1648م)، وراح ضحيتها أكثر من 12 مليون قتيل!
كانت كارثة بحق نتيجة الفتنة والتطرف الديني بين أصحاب الدين الواحد وهذا ليس إلا مثالا فقط للمجازر البشعة التي تمت بين الطوائف المسيحية ولسنوات طويلة.
إذن الجميع في أوروبا يعلم تماما مدى خطورة استفزاز الآخرين في مقدساتهم وديانتهم وأنبيائهم وكتبهم المنزلة، ورغم ذلك نجد حتى اليوم أعمالا إجرامية محزنة من أجل خلق عداوات لا تنتهي بين المسلمين والمتطرفين الأوروبيين الذين يمارسون دناءة الأفعال بحرق القرآن الكريم وتحت حماية حكوماتهم بل وكذلك كانوا يسيرون نحو خلق مزيد من الشقاق والعداوة وهم ينشرون بين الحين والآخر رسومات مسيئة لحبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم.
لا شيء تستطيع أن تفعله أمام جميع الشباب المستفز جدا كلما شاهدوا مسيئا يحرق قرآنهم أو يشتم نبيهم، ولا يمكن السيطرة على الجميع لنرى وبحادثة مأساوية قيام أحد الشباب الغاضبين بقتل معلم فرنسي متطرف كان يعرض على طلابه ومن بينهم مسلمين الرسوم المسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وقد ندد الرئيس الفرنسي بحادثة القتل ووصفها بهجوم إرهابي إسلامي بعدما تأزم الوضع أكثر بهجوم شاب آخر قد أثار غضبه قيام إحدى الصحف الفرنسية بإعادة نشر الرسوم المسيئة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام!
والحق يقال بأن الضحايا كانوا جميعهم من الطرفين ضحية ساذج متطرف مدعوم من حكومته بالحماية والقانون ليسيء للآخرين من خلال حرق القرآن وشتم نبي الله!
العجيب بأن أوروبا التي ذبحت ملايين البشر نتيجة التطرف الديني بين أتباع الكنيسة الواحدة لم تتعلم من التاريخ وتحاول اليوم بشكل مريب أن تتناسى خطورة هذه الاستفزازات على السلام بين ملايين البشر، نحن نتحدث اليوم عن أكثر من ملياري مسلم حول العالم لا يرضيهم ما يحدث من عصابة لا أخلاقية باليمين المتطرف لديهم أجندات واضحة لتشويه الإسلام واستفزاز أتباعه!
كنت سابقا كتبت عن القوى الناعمة لتغير الصور الذهنية التي عمل عليها أهل الخليج خاصة في بطولة كأس العالم بقطر وما تركته من أثر عظيم في قلوب الملايين حينما تفاجئوا بحقيقة سلام قلوبنا التي تم تشويهها كثيرا في بلاد الغرب الذي يشهد انتشار الإسلام بين سكانه وبشكل مشهود له، فقد "ارتفع عدد المسلمين في بريطانيا من 2.7 مليون شخص في عام 2011م، إلى 3.9 ملايين في عام 2021م، بزيادة 1.2 مليون مسلم في 10 سنوات، لتصل نسبة المسلمين في بريطانيا 6.5 من مجمل السكان، ليعتبر الإسلام هناك من أكثر الديانات سرعة في الانتشار خلال العقد الماضي" وفق الإحصائيات الرسمية التي تناولتها بعض وسائل الإعلام كقناة الجزيرة.
أعتقد جازما أن كل هذه الإحصائيات في أوروبا لزيادة أعداد المسلمين تؤرق المتطرفين الذين يحاولون جاهدين تشويه الإسلام واقتناص أخطاء المتحمسين للدفاع عنه ليصنف من ضمن خانة الإرهاب رغم صمتهم الفاضح اتجاه الإرهاب الحقيقي لجيش الاحتلال الصهيوني في فلسطين وارتكابه مجازر يومية تستهدف بشكل متعمد العزل والأبرياء والمدافعين عن كرامتهم، ويكفي أن نعلم بأن خلال أقل من 27 يوما من شهر يناير الحالي لعام 2023م قتل جيش الاحتلال أكثر من 29 فلسطينيا جلهم من صغار السن وبعمر الشباب!
ما يحدث اليوم في السويد والدنمارك من تجاوز أخلاقي مقزز لحرق القرآن وتدنيسه لأمر وجب أن يتوقف من أجل الصالح العام، بل يجب أن تتجاوز الدول الإسلامية بيانات التنديد إلى فرض المقاطعة الاقتصادية أو حرمانهم من بعض مصادر الطاقة كردع حقيقي لهؤلاء المتطرفين آفة العالم ومرضه.
الجدير بالذكر أن الرئيس التركي اتخذ موقفا أقوى من التنديد بعدم دعم السويد للانضمام لحلف الناتو كون أن الموافقة التركية هي الحاسمة في ذلك.
لن يجد البشر أي سلام إن كان المتطرف ما زال يجد الدعم بكل حرية من أجل إيذاء الآخرين تجاه أقدس ما يملكون، وعلى جميع الدول تجريم هذه الأفعال الشنيعة وإلزام جميع الحكومات باحترام الأديان والأنبياء لأننا سنعيش مختلفين حتى نهاية العالم ولن ينقذنا إلا الاحترام.
