حماية المرأة اقتصاديا.. دافعٌ للطلاق!

15 فبراير 2026
15 فبراير 2026

«هذا النوع من الحماية سيقوي النساء على أزواجهن، وقد يشجعهن على طلب الطلاق»، هذا ما قالته إحداهن بشيء من التزمت المُفاجئ في جلسة الغداء التي جمعتني بها وأخريات، ولم تكن وحدها من تُضمرُ هذا الرأي المُتشنج، فهناك شعورٌ عدائي يرى أنّ حماية المرأة اقتصاديًا يُعززُ من فرص تمردها! 

دار هذا الحديث بيننا، عقب فصل دخل المرأة المُطلقة عن دخل أبنائها، ورفع المنفعة التي تستحقها مُنفردة إلى 115 ريالًا في منظومة الحماية الاجتماعية، فلا يُؤثر دخلها على أبنائها كما لا يحدث العكس. قرارٌ من هذا النوع يبدو بالغ الأهمية للنساء المُطلقات، لا سيما اللواتي لا يمتلكن أي مصدر دخل آخر.نعرفُ في واقعنا نساء كثيرات يعشن على حافة الجحيم، يصبرن على أشكالٍ من العنف اللفظي وربما الجسدي، يُربين الخشية من التوجه إلى الأهل مُشتكيات من أزواجهن المُعتدين، فبعض العوائل لا تتورع عن إعادة الابنة المُشتكية صاغرة إلى زوجها، تُجرجر أذيال الهزيمة خلفها، بحجة أنّهم لا طاقة لهم على إعالتها، بعد أن رُكلت إلى متاهة انهارت جُدرانها الهشة مع أول ريح. تعود الابنة فيستقوي عليها الذئب وينتفُ آخر ما تبقى من ريش كرامتها الإنسانية. 

لا يمكن النظر إلى المال بمعزل عن نسيج قراراتنا الإنسانية الحساسة، ومن بينها قرار الطلاق. وهذا لا يعني بالضرورة أنّ الرخاء المادي يزيد من نسبة الطلاق بالضرورة، لكن ما نود التأكيد عليه هو الأثر الحقيقي للتمكين المالي على القدرة على اتخاذ القرار. فهناك نساءٌ يُؤجلن قرار الطلاق رغم المعاناة الكارثية، ويعود السبب غالبا لافتقارهن إلى شبكة أمان اقتصادية. فالخوف من الطلاق ليس مجرد خوف اجتماعي يرتبطُ بالعيب والفضيحة وحسب، إذ يمكن لإحداهن أن تتلاشى تحت عجلات واقع اقتصادي مُتطلبٍ وساحق! 

ليس الغرض من منافع الحماية الاجتماعية للمرأة التي لا تمتلك دخلًا ثابتًا أو وظيفة أو موردًا مستقلًا، أن تزيد من جرأتها على طلب الطلاق، وإنّما أن تغدو أقلّ خوفًا من أي تهديد أو تدهور اقتصادي، أقلّ رهبة من مستقبل محفوف بالقلق، أقلّ شعور بوخز الذنب تجاه أسرتها الكبيرة والصغيرة على حد سواء. 

إذ لا يمكن للمرأة التضحية بحياة سعيدة مقابل مبلغ زهيد كهذا، إلا عندما تُغلقُ السبلُ في وجهها. فكل ما يفعله التمكين المالي هو حمايتها من الوقوع في براثن الحاجة والعوز. التمكين لا يعني تقويض العائلة المتينة، وإنّما كسر الإكراهات التي تشل حياتها الشاحبة.فقدان المرأة لاستقلالها المالي، يعني فقدان حريتها، ولذا «يُغيّر دعم الدولة المالي المنتظم موقع المرأة التفاوضي في القضايا التي تمس حياتها الشخصية»، كما تُشير نتائج أحد الأبحاث المنشورة في مجلة التنمية العالمية؛ فالنساء اللواتي يحصلن على تحويلات نقدية حكومية يُظهرن مشاركة أعلى في اتخاذ القرار مقارنة بالنساء اللواتي لا يمتلكن مصدر دخل مستقل. فحين لا تكون المرأة مُهددة بفقدان الحد الأدنى من الأمان المعيشي، تُصبح أكثر قدرة على التفكير في الخيارات بدل الاكتفاء بتحمل واقعها المُدمِر.قد لا يُلغي الاستقلال المالي القيود الاجتماعية أو الثقافية الأخرى، لكن امتلاك مورد مالي خاص، يمنحُ المرأة «هامشًا أكبر للمقاومة، أو التفاوض، أو حتى الانسحاب من علاقة غير آمنة». وتؤكد الدراسة أنّ الدعم النقدي يصبحُ أكثر فاعلية عندما يُعطى للمرأة ذاتها، وليس بتبعيتها لربّ الأسرة أو لأبنائها. فالأثر عندما يكون المال باسمها وتحت إدارتها الشخصية مغايرٌ عمّا لو تمّ تحويله عبر وسطاء أو أطراف أخرى.قد تبدو هذه المنفعة ظاهريًا مجرد تأمين للاحتياجات الأساسية، لكنها تجعلُ المرأة أكثر صلابة في مواجهة الحياة الجديدة بعد قرار الانفصال، تجعلها صاحبة قرار شخصي في حياة صاخبة. 

هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»