دبلوماسية ..
13 فبراير 2026
13 فبراير 2026
تتباين العلاقة مع الآخر وفق حالتين: أحدهما حالة طبيعية بالمطلق، واجدة نفسها بحكم الواقع وخاصة في علاقات النسب التي لا تحتاج إلى كثير من الرتوش، ولا تقبل القسمة على اثنين، فالولد للأب وللأم، وقس على ذلك كل المنظومة التي تتبعها من أخوة وأخوات، وأعمام وخالات وأنساب كثر، وأما الأخرى فهي حالة صناعية، وقس عليها كل العلاقات القائمة بين البشر، سوى في حالاتها الاجتماعية، أو الرسمية، وأعني بالرسمية تلك العلاقات القائمة على تنظيم إداري ومهني، ولذلك فما بين الحالتين: الطبيعية والصناعية بون شاسع، فما يأتي بحالته الطبيعية فهو ذلك الممارسة غير المصنعة أو غير المتكلف في أدائها وتقبل هكذا على حالتها الطبيعية أو الفطرية، حتى وإن تداخلت فيها عوامل صناعية مختلفة بغية تحييدها عن التداخل بينها وبين ما هو مصنوع،، وأما ما يأتي من الصناعية فكله يأتي ممارسة مبالغ في تنفيذها، ومغرب عن واقعها، وإن بدأت صورة احتفالية فتلك الصورة لن تكون هي الواقع الذي عليه الفطرة، أو الطبيعية، ولذلك فهناك خلط في تقييم هذه العلاقة عند كثير من الناس، ومن هنا تأتي حالات التشكي، والتضجر، وعدم الرضى عن كثير من هذه العلاقات القائمة بين الناس لأنها لو ينتبه إليها فهي قائمة على تجربة الخطأ والصواب، وتحتاج إلى الكثير من تجربة الحياة، حتى تفهم وتوضع في سياقاتها المقبولة، لأنها من القليل أن تكون كل العلاقات قائمة على مفهوم العلاقات الطبيعية كما هو الحال في علاقات النسب.
والدبلوماسية التي يتبناها البعض كأسلوب تعامل مع الآخر، هي ممارسة صناعية بامتياز، ولها برامجها، ولها مؤسساتها، ولها أساليبها، ولها ظروف ممارستها، وهي المشحونة في كثير من المواقف؛ بكثير من الكذب، والنفاق، والتحايل، واستغلال الفرص، والمداهنة وبقدر هذه الحمولة القاسية التي ترزأ تحت عباءة الدبلوماسية، إلا أنها تظل الخيار الذي ينحاز إليه كثير من الناس، وقد يعد ذلك نوعا من النجاح في العلاقات، وكل ذلك للحرص على عائد متواضع، ورخيص، إذا قيس بحجم الضرر الأخلاقي المتعدد المشارب، والمعرض فيما بعد أحيانا إلى تأنيب الضمير.
وهذه الصناعة التي نتحدث عنها، لا تقتصر على أن نتلقى هذا التصنيع من الآخر؛ حيث يمكن كل واحد أن يصنع لنفسه الكثير من الممارسات ويوظفها على الصورة التي يرى فيها تحقيق ما يذهب إليه إما في جانبها الدبلوماسي، أو في جانبها الطبيعي، وفي كلا الأمرين تظل هذه الصورة معبرة عن عمر التجربة الإنسانية في الحياة، فالتجربة هي مرحلة متراكمة من التصنيع المستمر، ولذلك يعاب كثيرا على من حقق عمرا مقدرا من تجربته، ولا يزال يقع في أخطاء، ربما لا يقع فيها، من هم أقل تجربة منه، وبذلك هو يفشل في صناعة نفسه، ويترك للآخرين المجال لأن يوقعوه في أخفاقات ممارساته، ومن جميل ما ينقل عن الينور روزفلت سياسية أمريكية، قولها: «إذا خانك الشخص مرة فهذا ذنبه، أما إذا خانك مرتين فهذا ذنبك أنت»، انتهى النص، والسؤال هنا: إذا مارس الفرد هذا السلوك في علاقاته مع الآخرين، فما هو مستوى الدبلوماسية التي تتلبسه عندئذ؟
وعندما نتحدث عن طبيعة الأشياء، فهذه الطبيعة تبقيك عند مربعك الأول، ولن تسعفك كثيرا عن تجاوز الكثير من التحديات، وهناك من يكفيه ذلك، أو تنقلك إلى مستويات أكثر حيوية في حياتك اليومية، ومن هنا -على ما يبدو- يظهر التفاوت بين الناس، حتى على مستوى أفراد الأسرة الواحدة؛ حيث تظهر مجموعة التباينات بين أفرادها، مع أنهم والدتهم واحدة، وأبوهم واحد، وهنا لا نذهب في هذا الاتجاه إلى حكمة الخالق من هذا التباين بين أفراد الأسرة الواحدة، وإنما تذهب الفكرة أكثر إلى مستويات معينة من الاجتهاد على أنفسهم بين أفراد الأسرة الواحدة.
