في معنى أن تخسر بشرف

24 يناير 2026
24 يناير 2026

في ثمانينيات القرن الماضي كان أحد الأطفال حين يُسجَّل عليه هدف خلال مباراة بدائية لكرة القدم أمام حوش بيتنا الكبير يستشيط غضبًا ويخطف منّا الكرة ليطعنها بسكين فلا تعود قابلة لمواصلة اللعب. كان هذا أول ارتطام لي بمعنى ألا تتحلى بشرف الهزيمة، ليمضي العمر ونرتطم بعد ذلك بكثيرين ممن لا يتقبلون الخسارة، حتى وإن كانت واضحة وجليّة، وآخر هؤلاء اثنان صَنَعَا الترند خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية الأخيرة التي استضافها المغرب بنجاح لافت، والمفارقة أنهما لم يكونا لاعبَين شابَّيْن طائشَيْن، بل مدربان تمرّسا في اللعبة منذ سنين!

أول هذين هو مدرب منتخب السنغال «بابي ثياو» الذي سحب فريق منتخب بلاده من الملعب في المباراة النهائية التي جمعته بالمغرب، بعد أن احتسب حكم المباراة الكونغولي «جان جاك ندالا» ضربة جزاء للمنتخب المغربي في الدقيقة 98، أي بعد مرور سبع دقائق كاملة من الوقت بدل الضائع المقدّر بتسع دقائق. صحيح أن الموقف كان في غاية الصعوبة على منتخب بلاده، وبمجرد تسجيل الضربة سينتهي حُلم السنغال بالحصول على اللقب، إذ لا وقتَ للتعويض، لكن هذا لا يعني أن تهرب من المواجهة بمنطق «إما أن أفوز، أو أفسد عليك الحفلة»، فهذه هي قوانين كرة القدم في بطولات كهذه، لا بدّ من خاسر في النهاية.

ولأن «الضدّ يُظهِر حسنَه الضدُّ» كما يقول الشاعر، فقد برز في هذه القصة النجم ساديو ماني، أهم لاعبي السنغال وأكثرهم شعبية، فقد كان الوحيد الذي رفض مغادرة الملعب، ولم يكتفِ بذلك بل ذهب إلى زملائه المنسحبين في غرفة الملابس ليحثهم على العودة إلى المباراة قائلا: «لنعد، ولنقاتل كما يفعل الرجال»، وقد نجح مسعاه بعد ربع ساعة من التوقف، فعادوا وأكملوا المباراة، ليُضيع المغربي إبراهيم دياز ركلة الجزاء، ويحتسب الحكم وقتًا إضافيًّا كان كافيًا للسنغاليين للعودة إلى المباراة وتسجيل هدف الفوز، في مفارقة لم يتوقعها كل من شاهد ذلك الانسحاب المُخزي الذي اعتذر عنه المدرب بعد ذلك، معتبرًا إياه ردّ فعلٍ عاطفيًّا يحاول حماية لاعبيه من الظُلم!

أما المدرب الآخر الذي لم يتحلَّ بشرف الخسارة فهو حسام حسن، مدرب منتخب مصر في البطولة الأفريقية؛ فبعد أن خرجت بلاده من البطولة في مباراتها مع السنغال، طفق يلمّح في مؤتمره الصحفي إلى تدخل البلد المضيف في النتيجة، زاعمًا أن «هناك أطرافًا تشعر بالقلق» من فوز مصر وتأهلها للنهائي، وأنها - أي مصر -«تثير غيرة الجميع»، واشتكى مما وصفه بـ«غياب العدالة» في البطولة، مشيرًا إلى أن منتخب السنغال حصل على يوم راحة إضافي مقارنة بمنتخب مصر، فضلًا عن إرهاق لاعبيه بسبب التنقل بين المدن المغربية، متناسيًا أن الجدول واختيار المدن التي سيجري اللعب فيها كان بشكل مسبق قبل أن تُعرَف المنتخبات التي ستتأهل من دور المجموعات، وأنه ينسحب على جميع المنتخبات، وليس منتخب بلاده فقط، ثم قال بنبرة استعلائية: «إلى يوم الدين، لن يستطيع أحد أن يحقق ما حققه منتخب مصر بسبع بطولات لكأس أمم أفريقيا»، موجهًا اللوم للجماهير المغربية التي شجعت منتخب السنغال على بلاده. وهكذا فإن المدرب المصري بدل أن يقول ببساطة إن فريقه لم يكن الأفضل في تلك الليلة، اختار أن يضع الخسارة في إطار مؤامرة مبطّنة وسوء تنظيم وضغط جماهيري!

ثمة حكاية ذات مغزى حدثت قبل نحو ثلاثة عشر عامًا لا أدري إن كان ثياو وحسام قد سمعا بها، وتتلخّص في أنه في أحد سباقات اختراق الضاحية بإسبانيا عام 2012، كان العداء إيفان فرناندِث أنايا يجري ثانيًا خلف الكيني آبل موتاي، المتوَّج أولمبيًا، وعندما اقتربا من خط النهاية أخطأ موتاي وتوقّف قبل الخط بنحو عشرة أمتار ظانًّا أنه أنهى السباق. لحق به فرناندِث، لكنه بدل أن يتجاوزه ويحقق فوزًا سهلًا وغير مستحق، بقي خلفه، وأخذ يرشده إلى خط النهاية حتى يعبر أولًا. قال لاحقًا إنه لم يكن ليستحق الفوز؛ لأن منافسه صنع فارقًا حقيقيًا طوال السباق، وإن الانتصار الناتج عن خطأ كهذا لا قيمة أخلاقية له. بهذه اللفتة خسر فرناندِث السباق، لكن خسره بشرف كبير جعله يُذْكَر إلى اليوم كمثال يُدرّس في معنى أن تخسر بشرف.

سليمان المعمري كاتب وروائي عُماني