عُمان.. الحياد الاستراتيجي والبوابة اللوجستية !
من أكثر الأسئلة تداولًا على منصّات التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة: «لماذا تبدو عُمان مختلفة؟»، وفي الحقيقة لفتني في هذا السياق حديث الإعلامية الصديقة وفاء العم، عندما أشارت إلى المفارقة الكامنة في الموقع الجغرافي لعُمان المطلّ على واحدة من أكثر نقاط العالم حساسية اليوم «مضيق هرمز»، غير أنّ هذا الثقل الجغرافي، لا يدفعها لأن تكون طرفًا في لعبة الصراع.
وهي تعزو الأمر إلى الإرث التاريخي لإمبراطوريةٍ امتدّ نفوذها عبر البحار، فصنع ملامح الشخصية العُمانية وأسهم في تشكيل عقلٍ سياسي مُغاير، لا يقوم على ثنائيات حادّة من قبيل «معي أو ضدي»، ولا ينزلق إلى اختزالاتٍ عدائية مُبتذلة. لذلك نجد عُمان في قلب هذا المحيط المُربك، تتفاعل باتزانٍ دون أن تذوب في فخ الاستقطابات الإقليمية أو الدولية!
وفي حديثي معها، أكدت العم أنّ هذا الحياد لا يمكن أن يُفهم كحالة عاطفية حالمة ومجانية أو أنّ عُمان تنأى بنفسها عن بؤر الصراع والتوتر، وإنّما تذهب إليه عُمان كخيار استراتيجي مبني على توازنات مدروسة.
وعلى نحو مُماثل تتعامل عُمان مع مكوناتها المتباينة داخل نسيجها الداخلي. إذ تقوي صمامات أمانها فلا تسمح بتصدع أو شرخ في الخطاب الديني المذهبي كيلا تتمزق الرابطة المتينة، فهي ترى في التنوع البشري الديني لوحتها الفسيفسائية النادرة.
وبما أنّ حدود الحرب لا تزال ضبابيّة حتى هذه اللحظة، فإنّ التفوّق فيها -كما تذهبُ بعض التحليلات- لا يمكن أن يُقاس بالحسم العسكري وحسب، وإنّما فيمن يقبض على مفاصل القوة الخفيّة: من يُحكِم السيطرة على الطاقة، من يُنشئ تحالفاتٍ جديدة، من يُعيد توزيع النفوذ المالي. لكن العامل الأشدّ أثرًا في سياقنا المحلي يكمنُ في القدرة على التحكّم بسلاسل الإمداد.
فكما توضح المؤشرات، فقد حققنا ارتفاعًا ملحوظًا في عوائد صادرات النفط خلال الحرب، لأننا ببساطة لم نعتمد كليًا على مضيق هرمز، وذلك لامتلاكنا منفذًا مباشرًا على بحر العرب والمحيط الهندي، في حين اعتمدت أغلب دول الخليج على هذا المضيق كممر رئيسي مما جعلها أكثر عرضة للتضرّر عند أي اضطراب.
ولأنّ النفط العُماني لن يكفي وحده لتغذية العالم، فلماذا نكتفي بهذا الدور الصغير والمستنزِف؟ لماذا لا تغدو عُمان إزاء كل ما تتمتع به في هذه البرهة التاريخية منفذا استراتيجيا بديلا؟ لماذا لا تستعيد مركزيتها كبوابة لوجستية أساسية تربط الخليج بالعالم؟
حين كنّا جزءًا من الأكاديمية السلطانية للإدارة في العام المنصرم، أُتيح لفريقنا العمل على القطاع اللوجستي، فوجدنا أنفسنا أمام مؤشّراتٍ مُخيبة للآمال. يومها كتبتُ مقالًا بعنوان: «كتاب الحياة يُخالف الجغرافيا والتاريخ». فعُمان بانفتاحها على المسطّحات المائية التي تصلها بخطوط الملاحة الدولية في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وبموقعها الجغرافي المتفرّد، واستقرارها السياسي، وبنيتها التحتية المتنامية، تبدو مُهيّأة لأن تغدو مركزًا إقليميًا فاعلًا.
غير أنّ الواقع يكشف مفارقة لافتة؛ إذ لا يتجاوز ترتيبها في مؤشر الأداء اللوجستي العالمي المركز 43، وهو ما يثير سؤالًا مشروعًا، لا سيّما مع محدودية إسهام القطاع اللوجستي في الناتج المحلي، إذ لا تتعدّى نسبته 5.9%. بينما تطمح رؤية عُمان 2040 إلى رفع قيمة هذا القطاع من 2.25 مليار ريال إلى 36 مليارًا بحلول عام 2040.
إنّ البطء الزمني المستغرق في إنجاز عمليات الشحن وارتفاع التكاليف التشغيلية وتعدّد الأنظمة الإلكترونية وصعوبة تتبّع الشحنات، كلّها عوامل تُباعد بيننا وبين حيّز المنافسة مع الموانئ المجاورة. كما أنّ التحوّلات المذهلة التي أحدثتها الرقمنة عالميًا لم تُفلح حتى الآن في رأب هذا الصدع!
عُمان التي تحكم قبضتها اليوم على خيوط معادلات معقّدة بين قوى العالم، تستطيع أيضا أن تمتلك زمام الاستثمار في القطاع اللوجستي لتنويع مصادر دخلها ورفع مساهمة الأنشطة غير النفطية في الناتج المحلي. كما يمكن لهذا القطاع أن يضطلع بدورٍ أساسي في معالجة ملف الباحثين عن عمل، ما إن تؤهل الكفاءات الوطنية لسوقٍ حيويّ كهذا، تُفتح له آفاقٌ تعليمية ومهنية في مجالات التحليل ورقمنة سلاسل الإمداد وإدارة التخزين.
هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»
