ثنائيات حادة..

01 مايو 2026
01 مايو 2026

يحضر فهم «معي/ ضدي» كأهم المواقف الحادة التي تمرّ على الفرد؛ حيث يكون بين أمرين «أحلاهما مر» خاصة؛ عندما تتضاءل الخيارات أمامه، وخاصة أيضا عندما تذهب أحد الخيارات إلى الإساءة إلى طرف ما، خاصة أكثر عندما يكون أحد الأطراف على مسافة شديدة القرب منا، والصعوبة في الأمر أكثر؛ أن نتائج هذه المواقف على المدى البعيد مؤلمة؛ حيث ترسخ قناعات لدى الأطراف بأن الانحياز إلى أحد الأطراف يظلّ بمثابة القناعة أن ذلك حقيقة، أو بصمة ممهورة لا يمكن إرباكها مع مرور الزمن، مع أن الإنسان في حقيقته- لا يمكن أن يثبت على شيء محدد طوال سنوات حياته؛ لاختلاف تقلبات الحياة.

يبدو أن ذروة الخلاف هنا هي الاختلاف، فما يراه فلان من الناس أنه صواب يراه آخر أنه خطأ، ولأن الاختلاف هو جوهر كل القضايا، فإنه في المقابل تظهر الثنائيات التي نصفها بـ»الحادة» لاختلاف الرؤى، وتباين المواقف، وبالتالي فمن نتائج هذا الاختلاف ينحاز الناس إلى جانب معين من جوهر القضية، وينحاز أناس آخرون إلى الجانب الآخر من القضية، وتظهر الصورة الحادة عند الطرفين كليهما ذلك التمسك المطلق الذي لا يمكن زحزحته بأي حال من الأحوال، بغض النظر إن كان التمسك لدى كل طرف هو عين الصواب أو خلاف ذلك تماما، ومع الفهم بأن القناعات الشخصية تذوب في المجموع، ولكن أحيانا القناعات الشخصية ذاتها هي التي تؤزم المواقف، ولا تعطي نفسا مستريحًا للأطراف لأن تتخذ قرارا صائبا، وهذه إشكالية في حد ذاتها؛ لأنه يصبح من شبه المستحيل حلحلة القناعات الشخصية لصالح المجموع، أو لصالح الطرف المناوئ.

يعوّل البعض على أهمية العلاقات القائمة بين الناس للحد من الثنائيات الحادة بين الأطراف سواء هذه الأطراف متنازعة في شأن ما، أو مختلفة اختلافا بينيا، ولكن مع أهمية هذه العلاقات إلا أنها في كثير من المواقف لا تحدث فارقًا نوعيًا في شأن مختلف التوافقات المطلوبة في أمر ما، بمعنى لا بد من إحداث -ولو شعوريا- شيئًا من الهزيمة غير المباشرة يتحملها أحد الطرفين، بحيث تروي غرور الطرف المنتصر، ومع ذلك تظل هناك آثار نفسية تذهب مع مرور الأيام إلى تنامي الشعور الحاد تجاه من كان طرفا في ذات الموقف المتنازع عليه، ومع ذلك تنسل الحكمة القائلة: «إذا عاقبت لا تسرف» لأن في الإسراف ثنائية حادة تركن باب العدالة جانبًا، وتستحوذ على العقاب المطلق، وهذا أمر صعب للغاية، وقد أكد النص القرآني الكريم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8) المائدة.

فالأمر واضح بالابتعاد عن حمل البغض على قوم لأنهم لا يتوافقون مع من ننحاز إليهم، والأمر واضح بتفضيل العدل بين الطرفين، للخطورة المتوقعة في حالة عدم العدل والإنصاف. يبدو أن حدية الثنائية لا تقتصر؛ فقط؛ على قضايا الأطراف المتنازعة، فهي تتداخل في كثير من ثنائيات العلاقات بين الناس، حتى بين الود والود، دون أن تصل العلاقة إلى مستوى الكره، فالعلاقة بين الأب والأم وأطفالهم -يقينا- قائمة على الود المطلق في عمومية العلاقة، ومع ذلك، فهذه العلاقة لا يمكن تبرئتها من شيء من مظان النفس، وهذا ما يشير إليه الحديث الشريف المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» فهذا شيء من طباع النفس، وهو أمر معاش ولا يبعث على القلق إلا إذا تجاوز الفعل الشعور، فهنا تكمن الخطورة فعلا؛ وبالتالي فعلى الأب والأم أن يتداركا ذلك، مع أول إحساس به؛ خوف الوقوع في منزلق صورة من صور الثنائيات الحادة، وهذا الفهم في العلاقة مع الأبناء خاصة - لا يتصادم إطلاقا مع مقولة الدكتور إبراهيم الفقي: «من يحرص على إرضاء الجميع يخسر نفسه».