"كلاسيكو" الجزيرة وظاهرة أحمديان

02 مايو 2026
02 مايو 2026

بعد أيام قليلة من اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، سارعت قناة الجزيرة لإطلاق برنامج جديد من نوعه على شاشتها، برنامج نقاشي بات أشبه بالسهرة اليومية المفتوحة التي تلمُّ أطراف الجدال المشتت والمتناثر على صفحات التواصل الاجتماعي بين المثقفين والأكاديميين وهواة التعليق السياسي الذين يخرجون من تحت الحصى والعشب والسواقي في أوقات الحروب والأزمات. في الحادية عشرة بتوقيت مسقط من كل ليلة تبثُّ الجزيرة «نقاش الساعة» البرنامج الذي أعاد الكثير من الناس إلى زمن التلفاز الآفل بعدما قضى عليه اليوتيوب. وشوقًا إلى حس الإثارة الجماعية، وجد البعض أنفسهم يعودون إلى زمن المشاهدات العائلية في صالة التلفاز. حقق مسلسل الحلقات المتواصلة زخمًا غير مسبوق من التفاعل والمشاهدات، حد اشتعال مواقع التواصل الاجتماعي بالنقاش والجدال حول مجريات الحلقة أثناء بثها، تمامًا كما يحدث مع مباريات كرة القدم الكبرى. وقد بات البرنامج وحده حدثًا خاصًا من أحداث هذه الحرب؛ فنقاش الساعة نفسه يصبح موضوعَ نقاش اليوم التالي، تسليةً يومية على مواقع التواصل الاجتماعي، وحديث قهوة الصباح بين الموظفين، وعلى مائدة العشاء بين أفراد الأسرة. وكما يشعل الكلامُ الحرب، فإن الحرب بدورها تنتج الكثير من الكلام الفائض عن الحاجة. وهناك دائمًا سوق إعلامية تزدهر في كل حرب. وهكذا التقطت الجزيرة فكرة البرنامج في عز الحرب لتجدد العلاقة الفاترة مع مشاهديها بعد زمن طويل، معززة بهذه الخطوة صدارتها بين منافسيها، ولتقول إن قناة الجزيرة ما زالت هي المؤسسة التي تقود صناعة الحدث في عالمنا العربي، إعلاميًا على الأقل إن لم يكن سياسيًا. 

ثمانية ضيوف يستضيفهم البرنامج، أربعة عن يمين المذيع وأربعة عن شِماله، وعلى عاتقه وحده تقع مهمة لا يُحسد عليها، يعرفها كل من جرَّب المهنة أو اقترب من طبيعة العمل الإعلامي في الإذاعة والتلفزيون، ذاك المبثوث على الهواء مباشرةً بصورة خاصة. عدد الضيوف يتجاوز ما جرت عليه العادة في برامج التحليل السياسي التقليدية التي تتسم بالجدية؛ إذ لم يعتد المشاهد العربي على التقاط هذا الكم من تعدد الأصوات والآراء إلا في استوديوهات التحليل الرياضي الشبيهة ببرنامج «المجلس» الذي اشتهرت به على مدى السنوات الماضية قناةُ «الكأس» القطرية. والواقع أن «نقاش الساعة» مهما بلغت جدية موضوعه (وهل هناك أكثر جدية من مناقشة حرب تحتمل إشهار السلاح النووي في أي لحظة؟) لا يختلف كثيرًا عن جلسات تحليل مباريات كرة القدم، لا من حيث الشكل ولا الأسلوب. ثمة أسئلة كثيرة تُطرح عن المنهجية والمعايير التي تتبعها الجزيرة في انتخاب ضيوفها، غير أن الواضح من استضافة هذا العدد غير المعتاد من الأشخاص المتباينين نسبيًا في نغماتهم السياسية، يعكس رغبة القناة في استيعاب الاستقطاب السياسي الحاد بين الجماهير العربية الذي كشفته الحرب على إيران، وهو ما لم يحدث منذ ثورات «الربيع العربي»، وهو امتداد للاحتقان السياسي المتنامي منذ السابع من أكتوبر عام 2023. 

هناك محاولة لإرضاء مختلف وجهات النظر بمنحها الصوتَ وحق الوصول للمشاهدين. فنحن نستمع إلى وجهة نظر أمريكية في البرنامج من سيدة عربية الأصل تدَّعي أنها عملت مستشارة سابقةً في البنتاغون وتتكلم أمام قومها باللغة الإنجليزية حتى تنسجم مع نفسها وهي تدافع عن السياسة الأمريكية وتبرر الحرب. يبرز لها في المقابل صوت إيراني لكنه يتكلم العربية بطلاقة، مدافعًا عن بلده وحق بلده في مقاومة العدوان والهيمنة الأمريكية على المنطقة... وبين وجهتي النظر الأمريكية والإيرانية تتقاطع الأصوات العربية وتتصادى وتتصادم بلا سياق ولا وجهة للمعنى، صوت خليجي وصوت لبناني وآخر عراقي، هي الأصوات الممثلة بوضوح في نقاش الساعة. هذه المشهدية المثيرة للعجب تكشف بحد ذاتها عن مأزق العقل الأكاديمي المتستر خلف دال الدكتوراه، إلا أن عوراته سرعان ما تتكشف حينما يُقدَّم لمقارعة الحجة بالحجة. 

عبر هذه المعادلة الصوتية المركبة من تنافر الأصوات، تسعى الجزيرة لتبرئةِ ساحتها من تهمة الانحياز السياسي في ظرف ربما يشكل الامتحان الأصعب والأخطر لمهنيتها منذ بثها الأول قبل ثلاثين عامًا. ولذلك، يُحسب للجزيرة استيعابها وجهة النظر الإيرانية التي يمثلها أستاذ دراسات الشرق الأوسط بجامعة طهران، حسن أحمديان، وهو الذي سيتحول إلى ظاهرة تجتاح الفضاء الرقمي العربي بصورة غير متوقعة، ولم يُحسب لها حساب على الأرجح من قبل القناة نفسها، وذلك في وقتٍ كنا نسمع فيه أجراس الإنذار وهي تهزُّ هواتف ضيوف البرنامج أثناء وجودهم في الاستوديو لتحذرهم من صواريخ الحرس الثوري ومسيراته القادمة إلى سماء الدوحة! 

لوسائل الإعلام قدرتها على مسرَحة أي موضوع تحويله إلى مادة للفرجة، بل إنها تقتات على تحويل المأساة إلى ملهاة لرفع نصيبها من المشاهدات. تفاصيل كثيرة تحدث في البرنامج جديرة بالتأمل والاستمتاع، ولكن ليس من بينها جوهر النقاش، فلا معطيات جديدة أكثر مما هو معروف ومعلن، ولا تحليل أعمق يرجى من أكاديميين يعيدون تدوير الجدل الشعبوي ويسخنون الطعام البائت للمشاهدين كل ليلة.