قصص الأطفال العابرة للثقافات
11 مايو 2026
11 مايو 2026
تمنح الجهود الفردية والجماعية في كتابة وتوثيق ونشر التراث الشفوي الاقتراب من صُنّاعه للتعرف على المساعي الحثيثة لتسجيل وتدوين التراث الثقافي غير المادي، خاصة الجهود المتكئة على المنهجية العلمية في الدراسة. وبما أن التجارب في المجال المذكور أعلاه حاضرة ومستمرة في الأداء والإنتاج؛ فلم يتطلب الأمر إلا التواصل مع البروفيسورة جانيت واتسون عالمة اللغات الجنوبية العربية الحديثة والأستاذة الفخرية في كل من جامعتي ليدز وسانت أندروز المقيمة حاليا في ظفار لمواصلة دراساتها في اللغات العربية الجنوبية الحديثة. وأثمر التواصل عن التحضير لجلسة ثقافية حول ترجمة الحكايات الشعبية «قصص الأطفال باللغة المهرية نموذجا» تقدمها البروفيسورة جانيت مع ثلاثة من الشباب المهتمين بجمع التراث الشفوي المهري وهم: (عبدالله مسلم المهري، حسين محسن المهري، وسليمان مسلم المهري)؛ إذ تُعد اللغة المهرية لغتهم الأم.
وقد أقيمت الجلسة في مجمع السلطان قابوس الشبابي للثقافة والترفيه بصلالة يوم الأحد الماضي، واستعرض المتحدثون تجاربهم المختلفة في جمع التراث الشفوي باللغة المهرية وتوظيفه في كتابة قصص للأطفال وترجمتها إلى اللغة الإنجليزية إضافة إلى عرض مواد ثقافية مصورة ومكتوبة ومنشورة على موقع مكتبة جامعة ليدز، الأمر الذي يُسهل على الدارسين والمهتمين بدراسة التراث الشفوي واللغات العربية الجنوبية الحديثة في التعرف على المكوّن الأدبي لهذه اللغات.
واستعرضت البروفيسورة جانيت والباحث عبدالله المهري محاضرتهما في جامعة ليدز عام 2015 لطلبة الدراسات اللغوية، وقصص الأطفال التي عُرضت كقصة (اقاليو) أي الكرمة التي تُحلب فيها المواشي، وأهمية الحليب وطريقة تعقيمه بغليه بالحصى، وكذلك قصة (اهّدّوت) أي مهد الأطفال المتنقل وشرح أجزائه وكيفية حمل المرأة للمهد الذي يوضع فيه الطفل أثناء رعي الأم للماشية، ولا تقتصر أهمية المهد (فيدات) باللغة الشحرية على وظيفتها في حمل الأطفال، بل تُعد سجلا معرفيا للمواليد؛ إذ ينتقل المهد بين الأمهات المربيات وبذلك يُعرف أعمار الأطفال؛ فالأم التي تتنازل لأم أخرى عن مهدها يعتبر ولدها أكبر من ولد الأخرى التي وصلها المهد. ثم استمع الحضور إلى قصة (إسماعيل سيور برك حاوودي وكوسا) المتضمنة لحياة المهرة في الأودية والشعاب، وبعدها عُرضت قصة (سيلم واجيريم) أي سالم وثمرة النبغ لشجرة السدر، وهي من الثمار التي اعتاش عليها الإنسان قديما في شبه الجزيرة العربية.
لم يقتصر الاهتمام على كتابة قصص الأطفال بالمهرية ونشرها في كتب خاصة للأطفال، بل أخذت طريقها إلى النشر في المجلات العلمية المحكمة. وتواصلت كتابة القصص الموجهة للطفل كقصة (سيلم واهّله) أي سالم وظله، وقصة (سيلم هوما) أي سالم الذي يسمع أصوات الحيوانات. وقصة (سيلم ذيفندن اپّفوتن) أي سالم الذي يتقفى الأثر، وهي عادة اشتهر بها سكان البادية والصحاري. كما تحدث الباحثان حسين المهري وسليمان المهري عن تجاربهما في المشاركة في كتابة القصص، وعن الكتب التي سترى النور قريبا كقصة (سيلم وامجمريت) أي سالم والمجمرة، وقصة (بو نواس وثّبرين) أي أبو نواس والضبع. وقصة أبو زيد الهلالي، وقصص بلهجات مهرية مختلفة وباللغة الشحرية.
ختمت البرفيسورة جانيت حديثها عن ترجمة قصة (سيلم واهّله) إلى اللغة الجاليكية المحكية في شمال غرب إسبانيا، وهذا يُعد حدثا مهما في تعرف الناطقين بالجاليكية إلى القصص المهرية العُمانية الموجهة للأطفال.
لم يكن الطريق سهلا أمام جانيت والشباب الباحثين في كتابة قصص الأطفال باللغة المهرية؛ حيث واجهتهم صعوبة في نشر كتب الأطفال، وتزويدها بالرسومات المناسبة للنصوص المكتوبة، ناهيك بتكاليف النشر والطباعة والتصميم. ولكن مع كل تلك الصعوبات فقد استمعنا إلى قصص وحكايات وتجارب غنية تستحق الاهتمام والكتابة والنشر.
إن الجهود المذكورة والمشكورة للدارسين والمهتمين بالتراث الثقافي غير المادي يجب أن يقابلها اهتمام أكاديمي من قبل مؤسسات التعليم العالي في السلطنة، كأن تُخصص بعض الجامعات بعض الأقسام في كليات الآداب لدراسة وتوثيق التراث الشفوي؛ انسجاما مع الرعاية السامية لصاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله- للتراث الثقافي غير المادي، والتي توجت حديثا بالإعلان عن جائزة اليونسكو - السلطان هيثم بن طارق لصون التراث الثقافي غير المادي المُعلن عنها في أبريل الماضي.
