ضباب في مخيلتي
25 يوليو 2026
25 يوليو 2026
أتأمل لوحةً فنيةً قديمةً تصف مسقط وميناءها في منتصف القرن التاسع عشر، وجدتها منشورةً على موقع (المتاحف الملكية في جرينتش) وتحمل الرقم (PAG3610). تختزل اللوحة مدينة ساحلية ضئيلة العمران، غائرة في كنف الطبيعة القاسية. وفي مكانهما المهيب المشرف على بحر عُمان، تظهرُ قلعتا الجلالي والميراني اللتان أعاد الغزاة البرتغاليون بناءهما، وعلى قلعة الجلالي يرتفع بيرق أحمر.
أنظر في اللوحة مستدعيًا أبعاد الزمن التي تفصل المكان المقيَّد في الرسم عن حاضره اليوم. وأرى فيما أرى عمرانًا ساحليًا بسيطًا يستقبل البحر مديرًا ظهره لخلفية جبلية تصبغ بلونها السماء. وفي الأسفل إلى يسار اللوحة ألمح توقيعًا بحرفي (HE) وتاريخًا يشير إلى سنة 1859م.
يرشدني التوقيع إلى اسم صاحب اللوحة وهو هاري إدموند إدجل، الذي سأعرف بعد بحثٍ عنه في الإنترنت أنه كان ضابطًا كبيرًا في البحرية الملكية البريطانية. وكان عائدًا من قتال الصينيين في «حرب الأفيون» خلال خمسينيات القرن التاسع عشر حين وصل إلى السواحل العمانية. فما الذي جاء به إلى مسقط؟ يوثق تقرير نشرته صحيفة (The Illustrated London News) في 17 مارس 1860 أن الكومودور كان يقود سفينة حمايةٍ ودعمٍ لوجستي ترافق سفن «شركة تلغراف البحر الأحمر والهند» التي تأسست عام 1858، وكانت تعمل على مشروع كبير لمد خط تلغراف يصل لندن بالهند، مرورًا بالإسكندرية والسويس وسواكن وعدن وجزر الحلانيات ومسقط حتى كراتشي.
الآن، وقد تذكرتُ والتر بنيامين وحديثه عن «الأصالة» و«الهالة» في مقالته الشهيرة عن العمل الفني في عصر الاستنساخ الميكانيكي؛ فلا أستطيع القول إنني كنت أتأمل اللوحة (العمل) ذاتها؛ بل صورةً رقمية عنها. لقد خلع هذا العمل الفني جسده المادي جانبًا ليرتدي الصورة. لقد تفسَّخ جسده في الواقع بفعل «الاستنساخ». وأوشك أن يتحلل «جماليًا» لفرط ما أُعيدت طباعته، قبل أن يُحنَّط في صورة إلكترونية مخزونة بأرشيف المتحف على الإنترنت، والتي بالكاد ترينا ملامح التعب الإنساني ولمعتَه عندما يتقادم في الفن. مع ذلك، هل تصلحُ هذه اللوحة التي تصف مسقط القديمة، أو صورة اللوحة بالأحرى، طَلَلًا للوقوف عليه؟
تخفي هذه اللوحة موهبة رسَّام عسكري تشغله تحصينات المكان ونتوءاته الطبوغرافية أكثر من جمالياته. ولكن ما شأننا بسريرة الفنان ونواياه ما دام «الجمالي» في كل شيء مسألة تخصُّ الرائي أولًا وأخيرًا؟ من ناحيتي، أجد هذه اللوحة مناسبةً جدًا لامتحان قدرة المخيلة العمانية على التواصل مع الماضي، فالخيال دائمًا في حاجة إلى مواد أولية. ولقد ترك لنا هذا الضابط الإنجليزي طلَلًا نقصده بعد نحو قرنين من الزمان إلا قليلا.
أخرج من صورة اللوحة كي أبحث عن مسقط في «خرائط جوجل» وأفكر بتموضعها على طريق التجارة البحرية منذ قديم الزمان، وأفكر بقدَرها الجغرافي، وأقول ما أشق تخيُّل عُمان القديمة! ومن المدهش أن نتأمل كيف ينعكس فقر خيالنا في علاقتنا بالماضي على أدوات الإنتاج الجديدة، إذ يبدو أن مخيلة الذكاء الاصطناعي هي الأخرى تسيء تخيلنا إلى حد «التحريف».
أترى هل كان الأمر سيختلف كثيرًا لو أن العمانيين عرفوا التصوير في وقت أبكر؟ لربما كانت الذاكرة البصرية مؤثثة أكثر بما يلزم لتصبح المخيلة جاهزةً للتواصل مع ماضي المكان بدلًا من محاولة خلقه من العدم.
هذا الاستعصاء غير المفهوم في الخيال خبرته وأنا جالس في عتمة مسرح وزارة الإعلام أشاهد العرض الأول للفيلم الوثائقي «الدختر توماس» في مايو الماضي. وحين غادرنا القاعة، أتذكر أنني أبديت هذه الملاحظة للشاعر إبراهيم سعيد وقوفًا على الباب. كانت مخيلتي تجاهد لمجاراة مشاهد الفيلم في محاولة لاستدعاء الزمان والمكان لحظة الفرجة.
ضباب كثيف في المخيلة. هذا ما نشعر به كلما حاولنا استحضار عُمان الإنسان والمكان قبل العام 1970. ناهيك بحقيقة أن أقدم «أطلالنا البصرية» من صور ولوحات هي من ابتكار عيون الآخرين، العيون الاستشراقية بالطبع، تمامًا مثل تاريخنا المكتوب بأقلامهم، والذي ليس لنا سوى أن نستورده من أرشيفاتهم كي نتعرف علينا.
سالم الرحبي شاعر وكاتب عُماني
