عناد المفكر

26 سبتمبر 2026
26 سبتمبر 2026

نتذكر في هذه الأيام رحيل إدوَرد سعيد عن عالمنا في الـ 25 من سبتمبر عام 2003 بعد صراع طويل مع سرطان الدم، راضيًا رضى المريض بالمنفى المزمن وهو يكابد احتضاره البطيء في مدينته، نيويورك، تلك المدينة التي وصفها بأنها «عاصمة عصرنا» على صورة ما كانت عليه باريس في أواخر القرن التاسع عشر.

وبمناسبة ذكراه أود أن أنوه بمقالة مهمة كتبها في السنوات الأخيرة من حياته بعنوان «في القضايا الخاسرة»، بل أجدها أساسية في سيرته، ترتقي مُرتقى خلاصات الحكمة التي يكتبها المرء عادةً تحضيرًا للرحيل، أو أقرب لما يطلق عليه هو «الأسلوب المتأخر» الذي يبزغ عند بعض الفنانين والكتَّاب في أواخر حياتهم.

من المرجح أن كتابة هذه المقالة قد تمت عام 1995، أي بعد تشخيصه بالمرض ودخوله نفسيًا مرحلة الترتيبات الأخيرة وتوضيب أوراق العمر استعدادًا للموت. ولكن، وعلى الرغم من الظرف النفسي والجسدي الذي كُتبت فيه، فإننا لا نلحظ تسربًا لأي نوع من رثاء الذات في تلك الكتابة الصارمة. وقد نُشرت المقالة فيما بعد ضمن كتابه «تأملات حول المنفى» الذي ترجمه ثائر ديب إلى العربية وصدر عن دار الآداب.

وأن تُكتب المقالة في ذلك التوقيت، هو ما يعني أيضًا أن سياقها يعبّر عن الظروف النفسية التي خبرتها النُخب الفلسطينية بعد توقيع منظمة التحرير لاتفاقية أوسلو. شاغل إدوَرد سعيد في تلك المرحلة كان مقارنة المنتهى الذي انتهت إليه الحركة الوطنية الفلسطينية، ممثلة بحركة «فتح» على نحو خاص، بمسار حركات التحرر العالمية ونضالات الشعوب في القرن العشرين، في الجزائر، المثال العربي القريب، أو في جنوب إفريقيا وفيتنام. فهو يحاول فهم الانقلاب الدراماتيكي الخطير في مسار القيادة الفلسطينية التي كانت أهداف نشأتها تتمثل في تحرير الأرض المحتلة بعد عام 1967، وفي تقرير المصير، وفي تأسيس دولة مستقلة ديمقراطية. لكنها انتهت إلى استسلام مرير في شكل سلطة ديكتاتورية، وقد جردها انهزامها للهزيمة حتى من «نبل الإخفاق»، العنوان الذي يستعيره سعيد من كتابٍ لإيفان موريس يتحدث عن انتحار مقاتلي الساموراي كطقس من طقوس الاعتراف بالهزيمة ورفضها في ذات الوقت.

يكتب إدوَرد سعيدًا كلامًا خطيرًا عن ياسر عرفات في هذه المقالة، واصفًا إياه بأنه بات مجرد «منفذ محلي» للسياسات الإسرائيلية، مجبر على الكلام باسم الأمن الإسرائيلي باعتباره أولويته الأساسية بدلًا من الكلام باسم شعبه. وقد أدى انتحار المشروع الوطني بذلك الشكل الاستسلامي إلى صعود «الحركات الإسلامية التي تشهد رسالتها الرجعية على اليأس الدنيوي الذي أحاق بالقضية الوطنية» والتي رأى إدوَرد سعيد في صعودها علامة أخرى من علامات الاستسلام.

يتقاطع همه الجسدي مع همه السياسي حين يتساءل: هل من الواجب في غياب الأدوية الشافية أن نُعلم المريض بالورم الخبيث بأنه قد حُكم عليه بالهلاك؟ أم يُترك ليكابد ويتخبط في مسارات الأمل واليأس وحده؟ يشبه اليأس الطبي اليأس السياسي كثيرًا في هذه الحالة، بحيث يصبح الدفاع عن القضية الخاسرة عبثًا أمام موازين القوى. لكن إدوَرد سعيد يقف ضد هذه النفعية الكريهة التي تشيع بين صفوف المنتمين إلى القضايا العادلة ما دامت في أوج عنفوانها، فهذا الالتزام المشروط بالانتصار والربح لا يستقيم مع أخلاقيات الالتزام في الواقع، حيث من المفترض «ألا يستنفد القضية أولئك الذين يخدمونها، في حين يمكن للأفراد أن يستنفدوا أنفسهم في قضية ما، والتي عادةً ما توسم بأنها مُقَدَّمة على المرء، وبأنها شيء أعظم منه وأنبل، مما يجعل من الضروري أن يُكابد من أجلها أشدَّ المكابدة وتُبذل أغلى التضحيات».

ورث إدوَرد سعيد عناد المفكر الفرد من تأثره بأدورنو، وظل ذلك العناد الحر سمة من سماته الفريدة حتى غادر الدنيا. ذلك هو الأمل التعيس، ذخيرة المقاومة والإيمان غير المشروط بالقضايا العادلة. ومن خلال نقده الأدبي الحاذق الذي يجول بقارئ هذه المقالة في عدة أعمال روائية مهمة، مثل «دون كيخوته» لثربانتس، و«التربية العاطفية» لفلوبير، و«رحلات غوليفر» لجوناثان سويفت، كان يتصدى لتيار الانهزامية الجارف، والذي ظل مكبوتًا ومتحينًا، وقد انهارت أمامه السدود بعد نهاية الحرب الباردة في عقد التسعينيات... «وكان يقاوم حَرْبَ سَدُومَ على أهل بابل/ والسرطان معًا/ كان كالبطل الملحميِّ الأخير» كما سيرثيه محمود درويش.

سالم الرحبي شاعر وكاتب عُماني