سُباتُنا المعرفيّ.. وعينُ الآخر اليقظة
منذ ما يناهز ثلاثة عقود وأنا لا أنقطع في بحوثي وتدريسي عن القصص العربيّ القديم، مهما انصرفتُ عنه إلى حديث القصص، فلي دومًا عودة إلى المركز الذي منه المنطلَق، علاقتي بالسرد العربيّ القديم علاقة وجود، وليست محض بحث أعدّه أو كتاب.
من رؤيةٍ وجودية أرى منها أنّ القصص العربيّ القديم عالمٌ وكون وتمثُل. ما يروعني ويحزّ في نفسي أنّ العالم الآخر من حولنا يثير هذا القديم من رماده، وينقب في طبقاته، ونحن في جامعاتنا نلوكُ قديمًا ونُباهي باطّلاعنا على الآخر المدقِّق في حضارتنا، الذي لا يقف جهده ولا يكلّ فرسه.
لقد قادني بحثي -هذه الأيّام- في مشروع دراسة علمية جديدة للخبر إلى مصادري التقليديّة وإلى ما استُحدث من دراسات عند الغرب وعند العرب، فأدركتُ قُصُورنا من جهةٍ وعدم عنايتنا بتراثنا عناية جادّة -وهي عقيدة أحملها منذ زمن- واقتصارنا على الاجترار وإعادة الأفكار القديمة نفسها، فلا دراسة تخطّت أو حاورت أو ناقضت أو عارضت الدراسة الأصل والمرجع في الخبر وهي بحث محمد القاضي «الخبر في الأدب العربي، دراسة في السردية العربيّة»، وأدركتُ -في الآن ذاته- سرعة التطوّر والتنوّع في الدراسات الغربيّة التي لم تنظر إلى الخبر من زاوية واحدة وهي الأدبيّة، وإنّما فتّحت الدراسة وتناولت أثره الحقيقي في عمق الثقافة العربيّة من حيث هو ظاهرة تتعدّى التعبير الأدبي لتمثِّل ظاهرة حضاريّة تمسّ جوهر التاريخ العربيّ الإسلامي.
فالخبر في تراث العرب ليس محض شكل أدبيّ تُدرَسُ مظاهره وطرق بنائه، بل هو بنية شافّة عن حمولة حضاريّة وتاريخيّة واعتقادية، ويكفي أن أعرض تعريفا للخبر دون الخوض في تفاصيله، فهو -في منظوري- شكل قوليّ وجيز قابل للاستعادة وإعادة الإنتاج، قوامه الإسناد، وقريب من الواقع، وبسببٍ من ذلك، لم يُجر العرب الخبر في حرم الأدب فحسب، وإنّما كان دارجا، سائدًا في الفقه والفلسفة والتاريخ، وغير ذلك، فهو الشكل القوليّ القادر على حمل مختلف العلوم والمعارف، وهو اختراع عربيّ خالص، استطاع أن يحمل مختلف وجوه الثقافة العربية.
هذه الخصال التي جعلت الخبر موضوعا للدراسات الثقافية والأنتروبولوجيّة، هي التي التفت إليها المستشرقون، فوسّعوا من زوايا نظرهم في هذا الشكل الكلامي، من خلال أعمالٍ بدأها شتيفان ليدر المستشرق الألماني الذي أسّس مباحث ذات أصداء علميّة عميقة ووضع يده على الإشكاليّات العلميّة الأساسيّة في تناول الخبر في التراث العربيّ، في أفكارٍ بسيطة، واضحة، جليّة.
ولكنّ قيمة أعماله أنّه جعلها نوى لبحوث خاض فيها الباحثون من بعده، وتوسّعوا في دراسة الأدب في العصور القديمة والوسيطة ولكن دون أن يفصلوه عن عمقه الحضاري. أعمالٌ علميّة غربيّة عديدة كان فيها شتيفان ليدر هو الرأس المدبّر والأستاذ المرجع والأرضيّة المحاوَرة، منها على سبيل التمثيل كتاب «الأفكار، الصور وأساليب التصوير، رؤى في الأدب العربي الكلاسيكي» الذي ضمّ جملة من البحوث القيّمة حرّرها وأخرجها المستشرق الألماني سيباستيان غونتر، صاحب كرسي الدراسات العربيّة والإسلامية ورئيس قسم الدراسات العربيّة والإسلاميّة في جامعة غونتنغن في ألمانيا، وأيضًا أعمال المستشرق البريطاني فيليب كيندي وخاصّة كتابه الذي تعهّد تحريره، «في التخييل والأدب في الأدب العربي في العصر الوسيط»، إضافة إلى أسماء أخرى مثل غريغور شولر، بإسهامه المؤسّس في إعادة التفكير في العلاقة بين الشفاهية والكتابة وآليات انتقال الخبر إلى التدوين؛ وجوليا براي، بمقاربتها التي ربطت النصوص السردية ببناها الاجتماعية والثقافية؛ وجيمس مونتغمري، بتوجّهه إلى وضع الخبر والشعر العربي القديم في أفق الذاكرة الثقافية وتشكّل المعرفة؛ وأنجيليكا نويفرت، برؤيتها التي أدرجت النصوص الإسلامية المبكرة في سياقاتها الشفوية والتاريخية. والقائمة تطول في أعمالٍ أخرجت الأدب العربي من محض الدرس الأدبيّ الضيّق إلى الحياة، إلى الحضارة والتاريخ، في تصوّر للأدب يصله بإيقاع الوجود.
الفكرة الأساس التي أريد قولها أنّ هذه الجهود الاستشراقيّة دقيقة وموجّهة وهامّة، وأغبطهم حقّا على القدرة على تحقيق مشاريع في البحث واضحة وبيّنة، تتأطّر ضمن مراكز بحثيّة وفرق عمل ورؤية علميّة وهو ما تفتقر إليه جامعاتنا العربية في التعامل خاصّة مع التراث المحدّد لهويّتنا، فأنا أفزع عندما أجد أن أغلب مراجعي هي غربيّة استشراقيّة، ومن جهةٍ ثانية، فإنّي أذكر يوما كنتُ واقفا أمام لجنة علمية تناقش بحوثي فعابت عليّ كتابًا تقلّ فيه المراجع الأجنبيّة، التي صرنا نُوَشّي بها بحوثنا العلميّة فحسب، على قيمة بعضها وأهميّتها متى نزّلناها منزلتها.
الإيمان المُطلق بقيمة أعمال الغربيين وتفضيلها بطريقة واعية أو غير واعية على الأعمال العربيّة هو علّة ضعفنا وهدم إيماننا بأنفسنا. وهي خلفيّة فكريّة ناتجة عن إرث فكريّ كرّس التبعيّة المعرفيّة، التي وجب على الوعي العربي العالم أن ينعتق منها.
ولذلك فإنّ الآخر يُمكن أن يدرس أدب العرب وأن يهتم به، وأن يقول كلامًا مهمّا فيه، نأخذه ونفكّر فيه ونتدبّره ونرى جدارته، ولكن هو قابل للمناقشة والردّ، ولنا أيضا في هذا المجال نفسه أعمال أصليّة ومؤسّسة وجب أن نحتفي بها، منها جهود وداد القاضي وفدوة مالطي دوجلاس وطريف الخالدي، وقد راجت أعمالهم وسادت لقيمتها أوّلا وأهميّتها، ولكن لتبنّي الجامعات الأمريكيّة لهؤلاء الدارسين، ويسر اندماجهم في مشاريع بحثيّة تراثيّة عربيّة. إنّ غياب المشروع وتعسّر العمل المخبري وإعراض العقل المدبّر للجامعات العربيّة عن قبول مشاريع تدقّق النظر في التراث، وفقدان الإيمان بأنفسنا، حَدَّ من البحوث وعطّل إنجازها. فجهود المستشرقين لم تكن نتاج فطنة فائقة، ولا فضول معرفيّ فائض، ولا علم زائد، وإنّما هي نتاج مواكبة وإعْمالٍ لما عرف في ثمانينيات القرن الماضي في مجال العلوم الإنسانيّة بـ«المنعطف السردي»، حين غدا السرد وسيلة لفهم التاريخ والذاكرة والهوية والسلطة، لا مجرد شكل من أشكال التعبير الأدبي. ومن هنا أصبح الخبر العربي وثيقة ثقافية تستحقّ أن تُقرأ بوصفها مدخلا إلى فهم الحضارة العربية الإسلامية.
ولعل ما يلفت الانتباه أن الدراسات الغربية الحديثة لم تعد تسأل: كيف بُني الخبر؟ بقدر ما أصبحت تسأل: ماذا فعل الخبر في الثقافة العربية؟ وكيف أسهم في بناء الذاكرة الجماعية، وفي صناعة السلطة، وفي تداول المعرفة، وفي تمثيل التاريخ؟ وهو تحوّل عميق نقل دراسة الخبر من حدود البلاغة والأدب إلى رحابة الثقافة والحضارة. في حين بقي الوعي العربيّ الباحث في سبات بحثيّ شتويّ دائم، لا مؤسّسة تستنهضه ولا أُطر تتلقّى بحوثه وتحتفي بها، وإنّا لنكتب البحث نعاني فيه المرارة في الإنجاز والأمرّ في وجود جهات تتبنّاه لنشره فحسب دون أجرٍ ولا مقابل ولا شكر.
الخطر الحقيقيّ لا يُرَدّ إلى قراءة الآخر لتاريخنا ولا إلى استفاضته عبر مؤسّسات «علميّة» في تنقيب التراث، بل الخطر المفزع أن يتوقّف أصحاب التراث وأبناؤه عن التدبّر والاستكانة إلى رؤية الآخر، وتعطيل استعادة النظر، الخطر الحقيقيّ ألاّ نجدّد من آليّات رؤيتنا للتراث، فالتراث لا يحيا بالاحتفاء الرمزي ولا بإقامة المواسم، وإنما يحيا بالأسئلة الجديدة التي نوجهها إليه، وبقدرته الدائمة على أن يفتح لنا أبوابًا جديدة لفهم أنفسنا وتاريخنا.
محمد زرّوق ناقد وأكاديمي تونسي
