حين تُحجَبُ الجوائز!

25 يوليو 2026
25 يوليو 2026

هل ينبغي أن تُمنح الجوائز الأدبية أو الثقافية في كل دورة لمجرد أن موعد إعلانها حان؟ وهل يكفي أن يكون هناك عمل أفضل من بقية الأعمال لمنحه الجائزة، حتى لو أن هذا «الأفضل» كان في رأي لجنة التحكيم دون المستوى؟ أم أن من حق اللجنة، بل من واجبها أحيانًا، أن تحجب الجائزة إذا لم تجد بين الأعمال المتقدمة ما يستحق؟ هذه الأسئلة وغيرها فجرها قبل عدة أيام إعلان جائزة سميحة خريس للرواية في الأردن عن حجب الفائز في دورتها الأولى.

وهذه الجائزة أطلقتها العام الماضي دار «الآن ناشرون وموزعون» في عَمّان، تكريمًا للمشروع الروائي للكاتبة الأردنية سميحة خريس، واستهدفت أصحاب الرواية الأولى غير المنشورة من الأردنيين أو المقيمين في الأردن، ضمن شروط عديدة أهمها أصالة النص. وكان من المقرر إعلان قائمة قصيرة من ثلاثة أعمال في السادس عشر من يوليو الجاري، لكن لجنة التحكيم، التي ضمت الروائي والقاص هاشم غرايبة، والناقد والأكاديمي محمد عبيد الله، والروائية والأكاديمية شهلا العجيلي، لم تجد بين الأعمال المتقدمة ما يؤهل لتكوين قائمة قصيرة، فقررت حجب الجائزة، عازية ذلك إلى أن الأعمال «افتقرت إلى السوية الإبداعية التي تؤهلها للمنافسة، ولم تستوفِ الشروط الفنية الأساسية للكتابة الروائية، إذ بدا في أغلبها مجرد تراكم للأحداث من دون بناء روائي متماسك أو رؤية فنية ناضجة» على حد تعبير بيان اللجنة، الذي لفتني فيه سبب آخر للحجب لا يقل أهمية وهو «اتكاء المشاركين الملحوظ على أدوات الذكاء الاصطناعي في توليد النصوص وتطوير الحبكات، الأمر الذي أفضى إلى قوالب لغوية رتيبة وصياغات نمطية افتقدت حيوية الخيال البشري وفرادته».

ويبدو أن عام 2026 هو عام حجب جوائز الرواية العربية، ففي فبراير الماضي أعلنت دار الساقي أيضًا حجب جائزة مي غصوب للرواية في دورتها الرابعة، وهي جائزة مخصصة للكتّاب العرب الذين لم يسبق لهم نشر كتاب، وتهدف إلى اكتشاف أصوات روائية جديدة وتبني الرواية الفائزة ونشرها. ورغم تلقيها أكثر من مائة مخطوطة من خمس عشرة دولة عربية، إلا أن لجنة التحكيم المؤلفة من الروائية اللبنانية علوية صبح، والروائي والأكاديمي اليمني حبيب عبد الرب سروري، والمحرر في دار الساقي بيار فاضل خلصت إلى أن أيًّا منها لم يستوفِ جميع المعايير الفنية المطلوبة، رغم إقرار اللجنة أن بعضها تضمن «بذور أعمال روائية مميزة».

وعلى أية حال، ليس حجب الجوائز ظاهرة جديدة أو أمرًا مستغربًا.

فهناك كثير من الجوائز التي تحترم معاييرها تلجأ إلى هذا الحجب حين ترى إن الأعمال المتقدمة لا ترقى إلى اسم الجائزة، ففي أستراليا مثلًا، حجبت جائزة مايلز فرانكلين، وهي من أهم الجوائز الروائية هناك، مرتين لضعف الأعمال المتقدمة، الأولى عام 1973 والثانية سنة 1983، وفي بريطانيا، حجبت جائزة بولينجر إيفريمان وودهاوس للرواية الكوميدية عام 2018، على الرغم من أن اللجنة قرأت اثنتين وستين رواية، لأنها لم تجد عملًا يحقق معيار الجائزة الأساسي.

وعربيًّا، حجبت جائزة الشيخ زايد للكتاب عددًا من فروعها في دورات مختلفة، وهنا في عُمان، حجبت بعض أفرع جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب في عدة دورات منها جائزة التصميم المعماري في الدورة السادسة عام 2017، والشعر الشعبي في الدورة السابعة عام 2018، ودراسات علم الاجتماع في الدورة الثامنة عام 2019، والإخراج السينمائي في الدورة العاشرة عام 2023، ودراسات البيئة العُمانية في الدورة الحادية عشرة عام 2024. وكان سبب الحجب دائما عدم ارتقاء الأعمال المتقدمة إلى مستوى الجائزة.

وشخصيًّا أرى أن الحجب حق أصيل لأي جائزة ومحكّميها إذا لم ترتقِ الأعمال المقدمة إلى مستوىً يؤهلها للفوز، بل إن هذا الحجب يصبح أكثر نزاهة من منحها لعمل ضعيف لمجرد ملء خانة الفائز.

ولذا فإنني أختلف مع الناقد الأردني إبراهيم خليل الذي انتقد حجب جائزة سميحة خريس، معتبرًا أن لجنة التحكيم «كان عليها منح الجائزة لأحد المتقدمين بصرف النظر عن مستوى انحطاط تلك الرواية أو جودتها»، فلو فعلت الجائزة هذا حقًّا لكانت فقدت مصداقيتها منذ الدورة الأولى، بل وفرّغت الهدف منها من مضمونه، وهو تقديم أصوات روائية شابة موهوبة ومميزة. ومن هنا أفهم تماما تعليق سميحة خريس على هذا الحجب حين وصفته بأنه «رسالة ضد الرداءة».

سليمان المعمري كاتب وروائي عُماني