حماية الناشئة في العصر الرقمي
16 يونيو 2026
16 يونيو 2026
ما يمكن الاتفاق عليه قطعا أن الحياة لم تعد كما كنا نعهدها من قبل؛ ليس فقط في جوانبها المادية ومظاهرها الخارجية، إنما امتد التغيير إلى الداخل الإنساني ذاته، فطال القيم والروابط الإنسانية.
والمفارقة أن هذا التحول لم يتشكل عبر قرون طويلة من التطور الاجتماعي، لكنه ظهر بصورة متسارعة خلال فترة قصيرة من عمر البشرية لا تتجاوز عقدين من الزمن. ويعزو كثير من الباحثين في علم الاجتماع والسلوك هذه التحولات التي تشهدها المجتمعات الإنسانية إلى التعرض المكثف للكثير من الرسائل والمضامين العابرة للحدود والخارجة عن السيطرة، والتي تسهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في إضعاف المنظومات القيمية المحلية، بل حتى بعض القيم الإنسانية المشتركة.
ولعل هذه المقدمة ضرورية لفهم ما وصلت إليه العلاقات الإنسانية في عصر الفضاءات المفتوحة، خصوصا فيما يتعلق بالناشئة الذين يتربون في ظل انفتاح هائل وغير محدود على الوسائل الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي. فقد أصبحت كثير من هذه الوسائل لا تراعي الخصوصيات المجتمعية والقيم والعادات والتقاليد، وبدأت آثار هذه التربية الإلكترونية تظهر على هذا الجيل في صورة العديد من المشكلات النفسية والسلوكية والاجتماعية، وحالات من الهشاشة والعزلة وضعف القدرة على بناء العلاقات الإنسانية المتوازنة.
والموجِّهون والمصلحون، ومن بينهم حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- لا ينفكّون في كل لقاء مع المواطنين، أو في أحاديثه لوسائل الإعلام، أو اجتماعاته مع المسؤولين عن التأكيد على أهمية إعداد الضوابط والتشريعات اللازمة لتنظيم استخدام الأطفال لوسائل التواصل الرقمي بما يساعد الأسر على إرشاد الأبناء إلى كيفية التحكم في استخدام هذه الوسائل والاستفادة منها على الوجه الأمثل. كما يؤكد جلالته دائما أهمية التمسك بالمبادئ والقيم التي تشكل ركيزة المجتمع العُماني، والمحافظة على السمت العُماني في ظل الانفتاح الكبير على العالم عبر الوسائل التقنية المتاحة.
وقد جاءت هذه التوجيهات السامية لتسلط الضوء على مشكلة بات يعاني منها العالم جراء الانجرار والانسياق الأعمى وراء وسائل التقنية الحديثة دون رقابة أو توجيه. وهو الأمر ذاته الذي حدا بجلالته -حفظه الله- إلى التوجيه بالاستفادة من التجارب الدولية الرائدة في هذا المجال، وتحديدا من الدول التي وضعت حدودا وضوابط لاستخدام شبكات التواصل الاجتماعي؛ بهدف حماية الأطفال من المحتوى الضار، وتعزيز سلامتهم الرقمية.
وقد بدأت العديد من دول العالم بالفعل في اتخاذ إجراءات متعددة للحد من إدمان الأطفال على وسائل التواصل الاجتماعي، مثل: أستراليا وكندا والبرازيل وإندونيسيا وأخيرا بريطانيا التي أعلنت عن قيود ومتطلبات عمرية لاستخدام الأطفال لهذه المنصات.
قد لا تكفي التشريعات والقوانين وحدها للحد من الاستخدام المفرط للتقنية؛ لأن طوفان التقنيات العالمية جارف، وقد يعصف بالقوانين والتشريعات. كما قد لا تكفي التربية والقيم والمثل الوطنية في مواجهة هذه الظاهرة، إذا لم تجد من يؤمن بها ويتمسك بها من الأجيال الجديدة. غير أن الأسرة تظل الملاذ الأنسب والأكثر أمانا وقدرة على الحد من هذه السلبية الجارفة من خلال المتابعة والتوجيه وبناء الوعي، وغرس القيم التي تمكّن الأبناء من التعامل مع هذه الوسائل بوصفها أدوات نافعة لا مصادر للهيمنة على حياتهم وتفكيرهم بالإضافة إلى سنّ التشريعات والقوانين التي تنظّم وتوجّه استخدام هذه الأدوات في حياتنا اليومية.
