الحوكمة هي سر نجاح الشركات

11 أغسطس 2026
11 أغسطس 2026

قبل فترة عندما كنتُ أراجع إفصاحات شركات المساهمة العامة على الموقع الإلكتروني لبورصة مسقط لاحظت أن عددا من الشركات التي دخلت في قائمة الشركات المتعثرة وتم إدراجها في سوق المتابعة واجهت خلال السنوات الماضية العديد من المشاكل والتحديات المتعلقة بالسيولة وتسويق المنتجات وارتفاع الضغوطات التي تواجهها من قبل البنوك والمؤسسات التمويلية؛ في الوقت الذي لا تستطيع فيه الشركة الالتزام بتعاقداتها مع الموردين والشركات التي تتعامل معها والموظفين.

هناك العديد من الأسباب التي تؤثر على الأداء المالي لشركات المساهمة العامة المدرجة ببورصة مسقط؛ بعض هذه الأسباب ناتجة عن عوامل خارجية كالمنافسة وتقلبات الأسعار وارتفاع أسعار المواد الخام والأزمات الاقتصادية والمالية التي يشهدها العالم من حين لآخر والتي تؤثر على مختلف الدول والقطاعات الاقتصادية، غير أن أكثر العوامل تأثيرا على الشركات، وهي في اعتقادي أبرز العوامل التي تؤدي إلى تعثرها، هي عوامل داخلية تختص بالشركة ذاتها ومن أبرزها ضعف الكفاءة التشغيلية، وتراخي الضبط المالي بما يشمله ذلك من قصورٍ في إدارة التكاليف ورأس المال العامل والمديونية، وعدم القدرة على زيادة الإنتاجية، ورفع كفاءة إدارة توريد المواد الخام، وتصدير المنتجات إلى الخارج أو تسويقها في الأسواق المحلية، هذا بالإضافة إلى عدم اهتمام فريق العمل بزيادة تنافسية الشركة وتحسين تجاربها مع العملاء من الشركات الأخرى والجهات الحكومية والأفراد وتنفيذ استراتيجيات وخطط مجالس الإدارة والإدارة التنفيذية، إلى جانب العديد من الأسباب الأخرى التي تؤثر على نجاحات الشركة.

وعلى الرغم من أهمية العناصر التي أشرنا إليها أعلاه غير أنه لا يمكن للشركة أن تحقق النجاح دون حوكمةٍ تعزز قدراتها وتمكنها من التغلب على التحديات التي تواجهها، بل إن مكاسب الحوكمة لا تقتصر على الشركات وحدها بل تشمل أيضا الاقتصاد الوطني بما يضمه من قطاعات مختلفة، وفي حقيقة الأمر لا يمكن بناء شركات مستدامة دون حوكمة فعّالة تقود نجاحات الشركات وترفع قدراتها على النمو والمنافسة والإسهام في تحريك العديد من القطاعات الاقتصادية بما ينعكس إيجابا على الاقتصاد الوطني، وبما أن الحوكمة تعرّف بأنها «منظومة متكاملة من القواعد والضوابط التي تضمن الشفافية والمساءلة والإدارة الرشيدة»، فإن التزام الشركات بها يؤدي إلى تعزيز أداء الشركة ويرفع قدراتها على المنافسة ويُسهم في زيادة إيراداتها ورفع أرباحها.

ولعله من الأهمية الإشارة إلى أن الحوكمة لا تقتصر على جانب واحد من جوانب العمل في الشركة وإنما تشمل مختلف أعمالها نظرا لانعكاساتها على أداء الشركة ككل، وعلى سبيل المثال فإن القرارات التي تصدر عن الإدارة التنفيذية ومجلس الإدارة لابد أن تخضع لمعايير الحوكمة وضوابطها، وهذا يفسر أسباب وجود دوائر ولجان مختصة بالتدقيق الداخلي تراقب مختلف الأعمال بالشركة بما يمكّنها من تحقيق أهدافها وتعظيم مكاسبها الاقتصادية، كما أن هناك أدوارا مهمة للمساهمين في مراقبة أداء الشركات من خلال دورهم في مراجعة توصيات مجالس الإدارة بشأن الخطط والتوسعات الكبرى التي قد تؤثر ماليا على الشركات.

وفي المقابل هناك العديد من المكاسب التي تحققها الشركات نتيجة لالتزامها بالحوكمة وتطبيق مبادئها ومعاييرها، ومن أبرز هذه المكاسب الحد من التلاعب المالي وإخفاء البيانات المالية السلبية أو تضخيم الأرباح كما حدث لعدد من الشركات التي انهارت فجأة بعد نتائج مالية إيجابية، كما تُسهم الحوكمة في ضبط سياسات الاقتراض من خلال تحديد سقف محدد للمديونية ونسب التغطية المالية بما يجنب الشركة من مواجهة أزمات السيولة في المستقبل، هذا بالإضافة إلى مكاسب الحوكمة في ضبط القرارات الاستراتيجية المتعلقة بالتوسع الرأسمالي والاستحواذات التي من شأنها التأثير سلبا على الشركات إن لم تخضع هذه القرارات لمعايير الحوكمة ومبادئها، وبشكل عام فإن التزام الشركات بالحوكمة يحميها من التعثر الناتج عن ضعف الإدارة المالية، بل إن التزام الشركات بالحوكمة يرفع قدراتها في المنافسة ويُسهم في تحسين علاقاتها مع الزبائن ويعزز ثقة البنوك والمؤسسات التمويلية بما يتيح للشركات، التي تتمتع بمستويات مرتفعة من الشفافية والإفصاح، فرصا أكبر للحصول على التمويل بشروط أفضل وتكلفة فائدة أقل.