حصلت الهند على استقلالها عام 1947 بعد إنهاء الحكم الاستعماري البريطاني الذي استمر قرابة قرنين، فمع انسحاب المملكة المتحدة وتقسيم شبه القارة إلى دولتين: الهند وباكستان. واجهت الدولة الجديدة تحديًا مركبًا: كيف يمكن بناء كيان وطني موحد داخل مجتمع بالغ التعقيد من حيث الدين، واللغة، والبنية الاجتماعية. هذا هو موضوع كتاب قتل الديمقراطية: جنوح الهند نحو الاستبداد للكاتبين جيساشيش روي شودري وجون كين، والصادر عام 2021.
برزت الهند حالةً تجريبية فريدة حاولت الجمع بين التنمية الاقتصادية والتعدد الديني والمساواة الاجتماعية، رغم إرث ثقيل من علاقات القوة غير المتكافئة. من أبرز هذه التحديات ما يعرف بـ«نظام الكاست» الهندوسي، وهو نظام طبقي تقليدي يقسم المجتمع إلى مراتب وراثية مغلقة، يحدد فيها موقع الفرد الاجتماعي منذ الولادة، ويؤثر على فرصه في التعليم والعمل والزواج.
اعتمدت الهند على أدوات سياسية حديثة لمواجهة هذه البنى الراسخة، مثل الدستور الذي يضمن حرية النقاش العام، ونظام التعددية الحزبية، والانتخابات الدورية، بوصفها وسائل لإعادة توزيع السلطة وتقويض الامتيازات الموروثة، ومحاولة خلق توازن جديد داخل المجتمع.
وخلافًا لكثير من الأدبيات الكلاسيكية في العلوم السياسية التي ربطت نشوء الديمقراطية بشروط مادية مسبقة، مثل تحقيق حد أدنى من الرفاه الاقتصادي وانتشار أنماط استهلاك حديثة، جاءت التجربة الهندية لتكسر هذه المسلمة من أساسها. فبينما افترضت تلك الأدبيات أن الانتخابات الحرة لا يمكن أن تقوم إلا في مجتمعات تمتلك قاعدة مادية مستقرة، شهدت الهند انطلاق أولى تجاربها الديمقراطية في ظل نسب مرتفعة من الفقر والأمية.
بذلك، لم تنتظر الجماهير شروط الازدهار كي تمارس السياسة، بل تعاملت مع الديمقراطية نفسها وسيلةً لتحسين شروطها المعيشية. وشكل هذا المسار رفضًا ضمنيًا لنزعة اختزالية، ذات جذور إمبريالية، ترى أن الأهلية السياسية مشروطة أولا بالأهلية الاقتصادية، بينما برهنت الحالة الهندية على إمكانية قلب هذه العلاقة: أن تكون الديمقراطية مدخلا للتنمية، لا نتيجة لها.
وبهذا المعنى، لم تعد الديمقراطية تُفهم، كما في تصوراتها الكلاسيكية، آلية تحافظ على تماسك مجتمع متجانس يقوم على قدر من المساواة المسبقة بين أفراده. ففي الحالة الهندية، أعيد تعريفها إطارًا عمليًا لإدارة الاختلاف، لا لتجاوزه؛ وسيلةً تتيح لأفراد وجماعات ينتمون إلى خلفيات دينية ولغوية وطبقية متباينة أن يعيشوا ضمن فضاء سياسي واحد من دون الانزلاق إلى صراع أهلي. غدت الديمقراطية هنا أداة لتنظيم التعدد، وضبط تناقضاته، وتحويله من مصدر تهديد إلى شرط من شروط الاستقرار.
يمثل تفتت الحياة الاجتماعية في هذه الحالة وتبعثرها نقيضًا للنتيجة المتوخاة من الديمقراطية إذن. بل هي خذلان للمشروع الديمقراطي وقضاء مطلق عليه. فالحياة الاجتماعية المستقرة من بين الوعود الأخرى التي لم يحققها هذا النموذج تؤدي إلى شعور واسع بالعجز القانوني لدى المواطنين، ما يفضي إلى تراجع الثقة بالديمقراطية والاستخفاف بها ليجعل الديمقراطية أداة للصراعات السياسية وتثبيتها للهيمنة على الدولة.
فالفجوات الهائلة في توزيع الثروة، وانتشار العنف والمجاعة، والتفاوت الحاد في فرص الحياة، تقوّض الادعاء الأخلاقي الذي تقوم عليه الديمقراطية، أي إمكانية أن يعيش الأفراد بوصفهم مواطنين متساوين في القيمة الاجتماعية. فإذا كانت الديمقراطية تعني حكم أفراد متكافئين اجتماعيا يختارون ممثليهم بحرية، فإن واقع المعاناة الواسعة يجعل هذا التصور إما طوباويا منفصلا عن الواقع، أو أقرب إلى مهزلة قاسية.
تصبح في هذه الحالة شروط الحياة نفسها عاملا في تقويض الديمقراطية: غذاء غير كاف، وهواء ملوث، ومياه غير صالحة، وانتشار العنف، وتردي الرعاية الصحية، وانعدام التعليم واتساع مشاعر البؤس الاجتماعي، والنقص اليومي في الغذاء والسكن، جميعها أشكال من عنف اجتماعي معمّم يمس كرامة الناس.
فتمتد المذلة لتطال الغالبية منهم، فتقوّض روح الديمقراطية وجوهرها. فعندما تغيب سياسات الرعاية الاجتماعية وإعادة التوزيع التي تضمن الحد الأدنى من الغذاء والمأوى والأمن والتعليم والرعاية الصحية للفئات الأكثر هشاشة، تتحول الديمقراطية إلى مجرد شكل فارغ.
تستمر الانتخابات، ويتكرر الحديث عن «الشعب»، لكن السلطة الفعلية تصبح أشبه بقناع ترتديه نخب ثرية تمارس هيمنة سياسية باسم هذا الشعب. وبهذا يُفرغ مبدأ الحكم الذاتي من مضمونه، ليحل محله حكم عنيف تقوده أوليغارشيات اقتصادية وسياسية، تدعمه وسائل إعلام موالية، ويتحول المجتمع في ظله إلى تابع للدولة. يُطلب من الأفراد الطاعة، لا المشاركة، ومن يخرج عن ذلك يواجه العواقب. هكذا يتشكل نمط حكم عمودي، من أعلى إلى أسفل، ينتمي بوضوح إلى زمننا المعاصر: الاستبداد.
يشكّل انتشار الجوع المزمن، البطيء وغير المرئي، فضيحة أخلاقية وسياسية في صميم الديمقراطية الهندية، لكنه نادرا ما يتحول إلى قضية انتخابية. ففي بلد يعد من أكبر اقتصادات العالم، تثير وفيات الجوع-سواء في جهارخاند أو في أندرا براديش أو في دلهي- موجات غضب إعلامي قصيرة، سرعان ما تخبو. ويعود ذلك إلى تواطؤ ضمني يجمع بين مسؤولين غير أكفاء، وإعلام يبحث عن الإثارة، وجمهور متخم يتجنب المواجهة. كما يسهم تجنب تسمية الجوع باسمه -واستبداله بتعابير مثل «سوء التغذية»، أو إخفاؤه خلف أمراض أخرى- في استمرار هذه الكارثة بصمت، ما يضعف الأسس الاجتماعية للديمقراطية.
لا تعترف الإدارات المحلية غالبا بحالات الموت جوعا والجوع هنا ليس إلا مظهرا واحدا للتردي الاجتماعي. وإذا ما كُشفت بعض حالات الجوع، يتحول الأمر إلى عرض إعلامي سريع يترافق مع تبادل الاتهامات بين الأطراف السياسية، من دون أي معالجة حقيقية للأسباب البنيوية. تُضخّم الحوادث وتُؤطّر كصراعات سياسية، فتتصاعد الدعوات لمحاسبة الحكومة، ويحتدم النقاش، لكن موضوعه لا يكون الجوع نفسه، بل الأداء السياسي. ثم تتدخل الحكومة لإدارة الأزمة إعلاميا، فتنفي ارتباط الوفيات بالجوع، وتُغلق القضية. تنتقل وسائل الإعلام بعدها إلى حدث آخر، ويُطوى الملف إلى أن تتكرر المأساة.
بهذا المعنى، لا تفشل آليات الديمقراطية في مواجهة الجوع فحسب، بل تسهم أحيانا في استدامته، حين تختزل القضية في سجالات عابرة، وتُبقيه خارج النقاش المستمر. وهكذا يستمر الجوع المزمن، منخفض الحدة، بعيدا عن الأنظار، إلى أن تكشفه أزمات كبرى كالوباء أو الانهيار الاقتصادي، حين يصبح إخفاؤه مستحيلا.
وحين ينام الأطفال جياعا، وتعيش ملايين النساء في حالة انعدام أمان، ويُجبر عمال مهاجرون يتقاضون أجورا زهيدة على الفرار حفاظا على حياتهم عند أزمة صحية مثل كورونا -والتي يفتتح بها هذا الكتاب في فصل بتفاصيل مروعة- يصبح من الصعب تصور أن هؤلاء يؤمنون باستحقاقهم الحقوق، أو بقدرتهم، كمواطنين، على المطالبة بها لأنفسهم أو لغيرهم. إذ تُسلب الكرامة من الضعفاء بفعل تراكم الإهانة اليومية.
فالحقيقة الأكثر قسوة هي أن الإذلال الاجتماعي المستمر يضعف قدرة الناس على الانخراط الجاد في الشأن العام، وعلى كبح سلطة الأقوياء. وهكذا يُعاد تشكيل المواطنين كـرعايا، يُجبرون على تقبل التسلط والتنمر بوصفهما أمرا عاديا، حينها يعتادون أيضًا القيود المفروضة على الحريات، وتطبيع الرقابة، والعنف الشرطي، والاعتقالات، وحتى انتشار الجيش في الفضاء العام.
وفي هذه الحالة وبدلا من مواجهة الأسباب البنيوية للفشل، يُعاد توجيه الغضب نحو قضايا هامشية أو جماعات بعينها، فتُصنع خطوط انقسام جديدة. في الحالة الهندية، برز ذلك عبر إعادة تعريف «الشعب» على نحو يستبعد المسلمين والأقليات، بالتوازي مع خطاب قومي وديني يصوّرهم كتهديد، ويبرر ممارسات الإقصاء والعنف ضدهم.
بالتوازي، عملت السلطة في الهند على إعادة تشكيل أدوات الدولة نفسها: طوعت البيروقراطية، قوضت استقلال القضاء، ضبطت وسائل الإعلام، وتحولت الأحزاب إلى كيانات زبائنية تدور حول الزعيم، أعادت إنتاج خطاب يقدّم الاستبداد بوصفه امتدادا لإرادة الشعب، لا نقيضا لها. فلا تختفي الديمقراطية، بل تبقى شكليا: انتخابات منتظمة، خطاب شعبوي، ومؤسسات قائمة. لكن مضمونها يتآكل، وتُستخدم آلياتها ذاتها لإعادة إنتاج السيطرة. وهكذا، لا يأتي الاستبداد من خارج الديمقراطية، بل ينمو داخلها، مستفيدا من تناقضاتها ومن فشلها في تحقيق ما وعدت به.
ينتهي كتاب قتل الديمقراطية: جنوب الهند نحو الاستبداد إلى سؤال مركزي: هل تقترب الديمقراطية الهندية مع كل هذا من نهايتها إذن؟ يجيب الكتاب بأن الهند لن تستقر ضمن نموذج توحيدي مغلق، لأن تعدّديتها العميقة تظل تقاوم محاولات الضبط، ما يجعل الديمقراطية فيها حالة مفتوحة، تتعرض للتقويض كما تعيد إنتاج نفسها في الوقت ذاته، بين آليات السيطرة وإمكانات المقاومة، أو على الأقل هذا ما يدعو الكاتبان للإيمان به، الأمل الجذري (الراديكالي) بأن هذا الوضع غير الملائم للهند، يمكن مقاوماته حتى عبر أشكال جديدة من التفاوض الشعبي والثورة.