محاولة لفهم فلك الجوار الفارسي

06 أبريل 2026
06 أبريل 2026

من لغتي ولدت

على طريق الهند بين قبيلتين صغيرتين

عليهما قمر الديانات القديمة، والسلام المستحيل

وعليهما حفظ فلك الجوار الفارسي

وهاجس الروم الكبير

(محمود درويش)

يتفق العديد من المهتمين بالشأن الإيراني على أمرين: أولهما صبر القيادة والشعب الإيرانيين وطول نفسيهما، وثانيهما مفاجآت الحرس الثوري في إدارة الدفاع عن أراضيه والهجوم على القواعد الأمريكية والإسرائيلية.

فحين يُعلن مفتعلو الحرب الحالية بأن الدفاعات الجوية الإيرانية قد دُمرت، وأن منصات الصواريخ قد مُحيت، تبعث طهران صواريخها إلى تل أبيب، وتسقط دفاعاتها الجوية أحدث الطائرات الحربية الأمريكية المزودة بأحدث الأنظمة الملاحية والهجومية.

ولذلك يحتار الأصدقاء قبل الخصوم في معرفة الشخصية الإيرانية التي تتطلب جهدا كبيرا لفهمها ومعرفتها، وعلينا الاعتراف بأن الأحكام المُسبقة عن إيران بعد الثورة حالت دون التعرف عن قرب على الثقافة الفارسية، الأمر الذي أحدث قطيعة مع ثقافة هي الأقرب للثقافة العربية من مُحيطها الإقليمي.

إن من يراهن على سقوط نظام الجمهورية الإسلامية في هذه الحرب يفتقر إلى أدنى المعطيات التي تعزز رهاناته. إذ يخبر التاريخ بأن بلاد فارس تتحد إن هُوجِمت، فتسقط الخلافات الداخلية ويبدأ الدفاع المقدس عن البلاد.

فعلى سبيل الذكر تعرض النظام الجمهوري الحالي إلى محاولة انقلاب بعد تسلمه للسلطة بعدة أشهر، عُرفت المحاولة بعملية «نقاب» وهي اختصار لـ«إنقاذ انتفاضة إيران العظمى»، لكنها أخذت لاحقا اسم عملية «نوجه» وهو اسم للقاعدة الجوية في همدان التي خُطِط فيها للانقلاب على الخميني (1902-1989). والتي كانت تسمى بقاعدة «شاهروخي» قبل أن تأخذ اسم الطيار الإيراني محمد نوجه (1945-1979) الذي قُتل أثناء إخماد ثورة الأكراد (1978-1979). فشل الانقلاب الذي قاده الجنرال سيد مهديون (1928-1980) وانتهى بإعدامه، مع بعض قادة سلاح الجو الإيراني، في محاولة أخيرة لاستعادة نظام الشاه وحكومة شابور بختيار (1915-1991).

يذكر عالم الاجتماع الإيراني إحسان نراغي (1926-2012) في كتابه «من بلاط الشاه إلى سجون الثورة» ترجمته إلى العربية المترجمة اللبنانية ماري طوق. أنه ألتقى بالجنرال مهديون في سجن (إيفين) بعد الثورة، وقد وصفه نراغي بالنسر الضائع على الأرض، والذي حدّثهُ عن سلاح الجو الإيراني المعتمد على الولايات المتحدة في التدريب والتسليح والتنظيم، ويظهر الإيرانيون أحيانا تفوقهم التكنولوجي أكثر من الجيش الأمريكي، كما قال مهديون الذي خضع لرغبات بعض رجال السياسة في محاولة للعودة إلى الحكم من جديد عبر محاولة الانقلاب مع مجموعة من الطيارين الذين انتهى بهم الحال إلى المشنقة، والذين قال عنهم نراغي: «كانوا يشعرون بحنين عميق إلى نظام الشاه الذي قدّم دائما دعما إلى القوات الجوية خلال خمس وعشرين سنة، وإلى الولايات المتحدة التي بفضل تكنولوجيتها، كانوا أسياد الجو».

بعد أسابيع قليلة من تنفيذ الإعدام بحق الطيارين الإيرانيين، شن الرئيس العراقي صدام حسين (1937-2006) هجومه على إيران في سبتمبر 1980، أثناء تثبيت أركان حكم الجمهورية وتفعيل مؤسساتها لبسط السيطرة على مفاصل الدولة، والتخلص من شركائهم اليساريين، وإخماد الحركات الانفصالية للأكراد.

ونظرا لتماسك القوات المسلحة الإيرانية ودعمها للثورة، فقد جاء الرد الإيراني غير المتوقع من بغداد سريعا ومؤثرا، وكان الخميني قد أصدر عفوه عن كل المتهمين في الانقلاب، الذين أظهروا شجاعة وكفاءة عالية في الحرب الإيرانية العراقية كما ذكر نراغي. هكذا تُخيب إيران آمال الخصوم، فحينما يعتقدون بأن النظام مفكك، يُثبت الإيرانيون العكس تماما، ولنا في الحرب الأخيرة عدة أمثلة مثل بيان حزب توده اليساري الرافض للحرب، وكذلك وقوف بعض المثقفين الإيرانيين إلى جانب بلادهم رغم المضايقات وأحكام السجن بحقهم مثل المخرج الإيراني جعفر بناهي (65 سنة) الفائز بجائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي عن فيلم «حادث بسيط».

إن انتماء المثقف الإيراني لوطنه ليس وليد اللحظة الراهنة، بل طبع متجذر في الثقافة الفارسية التي اخترعت نُظم إدارية مثل الوزارة والدستور والديوان، ولذلك يتم مُراعاة المثقف، وقد ذكر نراغي أيضا أنه توسط لدى حسن بكروان (1911- 1979) رئيس جهاز المخابرات المعروف (بالسافاك) بالسماح للطالبين أبو الحسن بني صدر (1933-2021) -أول رئيس لإيران بعد الثورة- وحسن حبيبي (1937-2013) -النائب الأول لرئيس الجمهورية- للسفر إلى فرنسا لاستكمال دراستهما الجامعية.

وقد أقنع بكروان الشاه رضا بهلوي (1911-1980) بضرورة ذهاب الطالبين إلى باريس قائلا «من الأفضل أن يكون المعارضون أناسا مثقفين بدل أن يظلوا جاهلين محدودين».

إن محاولة فهم الشخصية الإيرانية تُحتم قراءات أعمق للثقافة الفارسية وطريقة تفكير الإنسان الإيراني في مواجهة الأزمات والتعامل معها، وهذا يتطلب بالضرورة تجاوز الحواجز الحاجبة بيننا وبين الشعب الإيراني الذي يدفع الثمن الباهظ تحت الضربات الجوية الأمريكية الصهيونية، ويتكبد خسائر في الأرواح والممتلكات، جراء مواقفه من الكيان الصهيوني ومن محاولة الاستقلال عن التبعية الأمريكية.