محاولة لفهم فلك الجوار الفارسي
فحين يُعلن مفتعلو الحرب الحالية بأن الدفاعات الجوية الإيرانية قد دُمرت، وأن منصات الصواريخ قد مُحيت، تبعث طهران صواريخها إلى تل أبيب، وتسقط دفاعاتها الجوية أحدث الطائرات الحربية الأمريكية المزودة بأحدث الأنظمة الملاحية والهجومية.
ولذلك يحتار الأصدقاء قبل الخصوم في معرفة الشخصية الإيرانية التي تتطلب جهدا كبيرا لفهمها ومعرفتها، وعلينا الاعتراف بأن الأحكام المُسبقة عن إيران بعد الثورة حالت دون التعرف عن قرب على الثقافة الفارسية، الأمر الذي أحدث قطيعة مع ثقافة هي الأقرب للثقافة العربية من مُحيطها الإقليمي.
فعلى سبيل الذكر تعرض النظام الجمهوري الحالي إلى محاولة انقلاب بعد تسلمه للسلطة بعدة أشهر، عُرفت المحاولة بعملية «نقاب» وهي اختصار لـ«إنقاذ انتفاضة إيران العظمى»، لكنها أخذت لاحقا اسم عملية «نوجه» وهو اسم للقاعدة الجوية في همدان التي خُطِط فيها للانقلاب على الخميني (1902-1989). والتي كانت تسمى بقاعدة «شاهروخي» قبل أن تأخذ اسم الطيار الإيراني محمد نوجه (1945-1979) الذي قُتل أثناء إخماد ثورة الأكراد (1978-1979). فشل الانقلاب الذي قاده الجنرال سيد مهديون (1928-1980) وانتهى بإعدامه، مع بعض قادة سلاح الجو الإيراني، في محاولة أخيرة لاستعادة نظام الشاه وحكومة شابور بختيار (1915-1991).
يذكر عالم الاجتماع الإيراني إحسان نراغي (1926-2012) في كتابه «من بلاط الشاه إلى سجون الثورة» ترجمته إلى العربية المترجمة اللبنانية ماري طوق. أنه ألتقى بالجنرال مهديون في سجن (إيفين) بعد الثورة، وقد وصفه نراغي بالنسر الضائع على الأرض، والذي حدّثهُ عن سلاح الجو الإيراني المعتمد على الولايات المتحدة في التدريب والتسليح والتنظيم، ويظهر الإيرانيون أحيانا تفوقهم التكنولوجي أكثر من الجيش الأمريكي، كما قال مهديون الذي خضع لرغبات بعض رجال السياسة في محاولة للعودة إلى الحكم من جديد عبر محاولة الانقلاب مع مجموعة من الطيارين الذين انتهى بهم الحال إلى المشنقة، والذين قال عنهم نراغي: «كانوا يشعرون بحنين عميق إلى نظام الشاه الذي قدّم دائما دعما إلى القوات الجوية خلال خمس وعشرين سنة، وإلى الولايات المتحدة التي بفضل تكنولوجيتها، كانوا أسياد الجو».
بعد أسابيع قليلة من تنفيذ الإعدام بحق الطيارين الإيرانيين، شن الرئيس العراقي صدام حسين (1937-2006) هجومه على إيران في سبتمبر 1980، أثناء تثبيت أركان حكم الجمهورية وتفعيل مؤسساتها لبسط السيطرة على مفاصل الدولة، والتخلص من شركائهم اليساريين، وإخماد الحركات الانفصالية للأكراد.
ونظرا لتماسك القوات المسلحة الإيرانية ودعمها للثورة، فقد جاء الرد الإيراني غير المتوقع من بغداد سريعا ومؤثرا، وكان الخميني قد أصدر عفوه عن كل المتهمين في الانقلاب، الذين أظهروا شجاعة وكفاءة عالية في الحرب الإيرانية العراقية كما ذكر نراغي. هكذا تُخيب إيران آمال الخصوم، فحينما يعتقدون بأن النظام مفكك، يُثبت الإيرانيون العكس تماما، ولنا في الحرب الأخيرة عدة أمثلة مثل بيان حزب توده اليساري الرافض للحرب، وكذلك وقوف بعض المثقفين الإيرانيين إلى جانب بلادهم رغم المضايقات وأحكام السجن بحقهم مثل المخرج الإيراني جعفر بناهي (65 سنة) الفائز بجائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي عن فيلم «حادث بسيط».
وقد أقنع بكروان الشاه رضا بهلوي (1911-1980) بضرورة ذهاب الطالبين إلى باريس قائلا «من الأفضل أن يكون المعارضون أناسا مثقفين بدل أن يظلوا جاهلين محدودين».
