تسعة مُدرِّبين يروِّجون للعلاج بالطاقة!

19 يوليو 2026
19 يوليو 2026

أثار انتباهي مؤخرًا تداول مقاطع تُحذِّر من وصول تسعة مدرِّبين يروِّجون لما يُعرف بـ«العلاج بالطاقة»،قدموا من بلدان عربية مختلفة لتنظيم «ريتريت» في صلالة.

وقد أعادني ذلك إلى سؤال قديم: كيف حظيت هذه الأطروحات الزائفة بهذا الانتشار اللافت بين من نالوا حظًا وافرًا من التعليم؟

لطالما حيّرني أن يقتنع أحدهم بأنّ وجعه سيزول لأنّ شخصًا غريبًا لمس موضع الألم أو أخبره بأنّه سيقطع «حبل السرة» الذي يربطه بعلاقة سامّة مع أحد والديه، أو سيُطلِقُ «الطفل الداخلي» ويُوقظ «الوحش النائم» في أعماقه، أو يُحرِّر طاقته المحبوسة، ويُعيد فتح «الشاكرات» المُغلقة، ويجلبُ له الحظ والوفرة والسكينة.. وصولًا إلى ممارسات التنويم الإيحائي التي يُفضي بعضها إلى انتهاك الحدود الجسدية أو النفسية.

لقد تسنّى لي مؤخرًا أن أجالس عددًا من النساء المُنجذبات بشدّة إلى هذا النوع من الدورات. أخبرتني إحداهن أنّها أنفقت مبالغ طائلة لحضور جلسات مع «كوتش» تأتي من خارج عُمان، تعقدُ لقاءاتها في أماكن فخمة، تبدأ مع المتدربات بطقس شرب الكاكاو لربطهن بالأرض، ثمّ تُغمضُ الأعين وتُطلَق الأوجاع عبر تمارين التنفّس.

ومن حديثها بدا لي أنّ القاسم المشترك بين كثيرٍ منهنّ هو الاستعداد للخضوع.

تذكّرتُ ما قاله إريك فروم: «بقدر ما توجد رغبة غريزية لدى الإنسان في الحرية توجد أيضًا رغبة غريزية أخرى في الخضوع». وبحسب فروم فإن إسناد ما يُثقل أرواحنا من وحدةٍ وقلق إلى من يَعِدنا بالسكينة مقابل التخلّي عن استقلالنا في التفكير ليس إلا هروبًا من الحرية.

في أحد الحوارات التي شاهدتها على «اليوتيوب» قال عالم الفلك الأمريكي كارل ساغان: إنّ نخبوية العلوم داخل الأوساط الأكاديمية أفسح المجال لازدهار الخطابات الشعبوية والعلوم الزائفة؛ ولذلك دعا إلى تبسيط المعرفة العلمية الرصينة لإتاحتها للناس. كما شدّد على أهمية التفكير النقدي لكبح انسياقنا وراء قصص التنجيم والعلاج بالطاقة وسائر أشكال الخرافة. فالافتتان بهذه المعتقدات ليس جديدًا، غير أنّ ما يُميّز عصرنا أننا نعيش في عالم يتقدّم علميًا بوتيرة غير مسبوقة، مما يجعل التفكير غير العلمي أشدّ خطورة من أي وقت مضى. وكأن تماسك المجتمعات مرهون بقدرتها على التعامل مع واقعها بعقلانية.

ويتفق الكاتب رامي غابرييل مع ما ذهب إليه ساغان؛ ففي مقال نشرته المجلة الثقافية Aeon بعنوان: «التنمية الذاتية نوعٌ من التفكير السحري: لماذا تنجح؟» يرى أن ازدهار خطاب التنمية الذاتية يعود إلى انصراف العلماء والفلاسفة إلى الكتابة في مجلات لا يطالعها إلا المتخصصون، الأمر الذي أفسح المجال للدجالين والخطباء ومؤلفي كتب التنمية الذاتية لملء هذا الفراغ بخطاب سهل قوي النبرة. وهذا ما نراه فعليا: لغة حماسية تعِد بإطلاق ما هو كامنٌ فينا لفتح كُوَّة سحرية في هذا العالم تبدو معها الأحلام البعيدة دانية القطوف!

تراجع السرديات والطقوس السحرية بشكلها التقليدي كما يشير غابرييل لم يُخفِ نزعة التفكير السحري؛ فهي تتجدد في صور حديثة أكثر انسجامًا مع لغة العصر.

فقد برزت تفسيرات تستجيبُ إلى الحاجات الوجودية والنفسية والعاطفية للإنسان كالحاجة إلى الأمل والشعور بالقدرة والسيطرة.

لقد جعلوا لكل قلق شائع طقسا ما، لكل إخفاق وصفة.. مع تركيز مُفرط على مسؤولية الفرد التامّة عن تغيير ذاته في مقابل إغفال العوامل الأساسية التي قد تؤثر في مصيره من قبيل: الفقر والصراعات الأسرية والإقصاء السياسي و الظروف التي لا يمكن أن تختزل في الإرادة الفردية وحدها.

يخلص غابرييل إلى قوله: «تجاهل الجوانب التجريبية مثل الحقائق والتاريخ والإحصاءات هو سلوك أقرب إلى الخرافة؛ لأنّه يعني تجاهل الأدوات التحليلية التي كافح العصر الحديث طويلًا من أجل تطويرها للعودة إلى التفكير السحري».

وبقدر اتفاقي مع أهمية تبسيط العلوم وضمان وصولها إلى الناس؛ فإنّ ترسيخ العقلانية العلمية لا يعني بطبيعة الحال إلغاء أسئلتنا الوجودية الكبرى، ولا إخماد حاجة الإنسان إلى المعنى والغاية والإيمان؛ فالعلم الذي يُفسّر العالم قد لا يُجيب عن فضولنا البشري، وعن حدود عجزنا إزاء المجهول في ذواتنا والكون.. آنذاك يصبح الفراغ مُهيّأً لأن تملأه الخرافة المُتخفيةً في لبوس تعِد بالطمأنينة الأبدية.

هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»