بشت ميسي والبطولة التي لم تنتهِ!

25 ديسمبر 2022
25 ديسمبر 2022

أن ترى حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ يبعث ببرقية تهنئة للأمير تميم بن حمد حاكم دولة قطر لنجاح بلاده الباهر في تنظيم أجمل بطولات كأس العالم لأمر يستحق التوقف معه كثيرا أمام هذا التعاضد الذي أسعدنا جميعا ونحن نرى بطولة عالمية في بلاد العرب تحقق كل ما يتمناه المرء من أجل الإنسان وبروح رياضية مفعمة بالود والحب رغم شراسة المنافسة وطرائف التشجيع.

من ناحية أخرى فقد أعلن الداعية محمد العوضي قبل أيام زيارة الملحد الفرنسي نيكولاس بول لدولة قطر لحضور فعاليات البطولة، وهناك اطلع على الإسلام كغيره والتقى بأبرز المفكرين الذين أجابوه عن العديد من الأسئلة حتى أعلن دخوله للإسلام ليخرج من قطر مسلما بعدما أتى إليها ملحدا.

أعلم تماما بأن هناك من يقول رياضة كرة القدم يجب أن تبتعد عن السياسة والدين والأجندات المختلفة، ولكن كرة القدم اليوم في هكذا بطولات ليست مجرد كرة تركل في مستطيل أخضر أمام كتل إسمنتية يملؤها الجمهور، بل أصبحت هكذا بطولات تحمل في كواليس مسرحها الكثير من المضامين والرسائل إن أجادت كل دولة في ترسيخها وفق منهج حياتها ومبادئها.

ولا يوجد أجمل من الإنسانية السوية التي تجمع كل البشر، لذا وإن انتهت البطولة كمنافسة كروية شريفة بفوز الأرجنتين في ذلك النهائي المثير مع فرنسا، إلا أن مباريات المبادئ لم تنتهي حتى الآن!

نعم المبادئ التي كانت كذلك تتنافس في مباريات غير متكافئة أبدا من حيث الأهداف التي لعب من خلالها كل فريق، فالغرب المتمثل بدول أوروبا كان ينافس بلعب غير شريف ضد المبادئ والقيم الإنسانية العادلة، وضد الأخلاق السامية التي يجب أن تحيا بها الأمم، أمام منافس شريف عكسه تماما كانت كل أمنياته أن يتحقق العدل والمنطق والاحترام أمام جمهور العقل.

استمر هذا التنافس بين عدل وانحراف برفقة مباريات كرة القدم في البطولة، وكان اللاعب الأساسي الأذكى والأعمق والذي فرض احترامه على الجميع تمثل في دولة قطر وأميرها وكل المنظمين والمساهمين في ترسيخ القيم وسط كل تلك المعمعة المفضوحة والتي عكست تماما مدى هزالة الفكر الغربي وما ينادي به ويحارب من أجله، حتى أصبح مثارا للسخرية أمام الشعوب الأخرى.

انتصر المنطق، وانتصرت الأخلاق، وانتصرت المبادئ، وأصبح أكثر من 3 ملايين زائر للبطولة مذهولين بتأثير حميد للقيم العربية المبنية بإيمان راسخ قوامه ومتانته السلام والإنسان والاحترام والكرم.

كانت اللجنة المنظمة للبطولة موفقة للغاية، وبتوفيق من الله وبعملهم الجاد أصبحت البطولة في بلاد العرب كمجهر دقيق الرؤية فاضح وواضح كالشمس للوحل الذي سقط فيه أغلب الغرب وإعلامه الموجه من أجل بث الاستعلاء والسقوط الأخلاقي وعدم احترام الآخر ومبادئه وقيمه وبالأخص العربي من قاموا بتشويه صورته كثيرا ولعقود طويلة لدى شعوبهم المنبهرة بالحقيقة هناك.

كان بعضنا للأسف يعتقد بأننا نحن العرب لدينا عقدة من الغرب لذا فنحن دائما نحذر من عدائيتهم وخططهم ضد مبادئنا، وبأننا نعيش في معارك وهمية لا وجود لها تجعلنا ندور في صراع فكري دائم معهم!

ولكن حقا ما حدث في قطر من عداء الغرب وإعلامه كان دليلا قاطعا على عقدتهم اتجاه الشعوب التي تحمل قيما أخلاقية لا مساومة فيها من أجل التنازل حيالها كحال المثلية الجنسية المؤذية جدا لطبيعة البشر وفكره السائر في مهزلة إنسانية لن يغفرها التاريخ أبدا وهي المحرمة لدى جميع الأنبياء والرسل.

عزيزي القارئ لا توجد رسالة تستطيع ترسيخها إلا بحسن التعامل والكرم والسمو الإنساني الذي يشبه نبينا، وبهذا الفعل تستطيع الانتصار دوما في أي معركة فكرية مهما كانت إمكانيات الخصم الذي يتبجح بسقوطه أكثر في قاع سيذوق ويلاته بعد فترة وجيزة، وهذا ما حدث في كواليس البطولة بقطر فجميع العرب هناك كانوا كرسل خير أمام ملايين المتدفقين من بلدانهم، فأمست كل هذه المباريات الفكرية حاضرة ولها جماهيرها التي احترم جلها كل ذلك السمو العربي أمام التناقضات الفجة للغرب الذي أعنيه ويعرفه الجميع من خلال ما كان يبثه طوال فترة البطولة من سلبية.

لن أتحدث هنا بتفاصيل عن مشهد بشت ميسي الذي استقبلته الأرجنتين بحفاوة ككرم عربي باذخ الجمال، بينما استقبلته بعض القنوات والصحف الغربية بكل عداء، ولن أتحدث كذلك عن تفاصيل الكوفية الفلسطينية التي حملها الشاعر الفلسطيني تميم البرغوثي في حفل الختام وهو يصدح بأجمل مقولاته كدلالة عميقة بأن فلسطين وحقوق شعبها لا يجب أن ينساه العالم أبدا، خاصة بعدما هاجم المعنيون في ألمانيا المنتخب المغربي بسبب حمل لاعبيه أعلام فلسطين في احتفالات انتصاراتهم عقب كل مباراة في الوقت الذي تحرص فيه ألمانيا على رفع علم المثلية والانحدار في كل محفل!

كل هذه الرسائل العربية كانت تحرز أهدافا جميلة ومدروسة بعناية من لاعبين ومدرب يعرف تماما تكتيك كل خصم.

لذا فالمباراة النهائية لم تنته حتى الآن ولسنين طويلة لتأثيرها الحميد في قلوب ملايين الزوار رغم انتهاء البطولة فعليا بفرحة ميسي.