الولايات المتحدة.. بين تجارة المخدرات والتنكر للتشريعات
05 يناير 2026
05 يناير 2026
يصعب تصديق ما يجري في عالمنا وما نشاهده، إذ لم تعد للإنسان كرامة ولا للدول حُرمة ولا للقوانين الدولية أي قيمة ولا اعتبار، وكأن القوانين والتشريعات مُلزمة للشعوب التي لا تمتلك القوة ولا الأسلحة النووية للدفاع عن حريتها وسيادتها.
فمن يتابع أخبار القرصنة الأمريكية التي قادها الرئيس ترامب (79 عاما) ضد الرئيس نيكولاس مادورو (63 عاما) رئيس جمهورية فنزويلا البوليفارية، يوم السبت الماضي لا يصدق أننا نعيش في العقد الثالث من الألفية الثالثة، التي يتطلع فيها البشر إلى الامتثال للقوانين والأنظمة، واحترام سيادة الدول وحقوق مواطنيها. لكن من يطلع على السجل الدموي لساكني البيت الأبيض يجد أن هذه الحادثة ليست المرة الأولى التي تختطف فيها الولايات المتحدة رئيس دولة من أمريكا اللاتينية وتسجنه، فقد اختطفت مانويل أنطونيو نورييغا (1934-2017) عام 1989م، إبان الغزو الأمريكي لبنما، بتهمة المتاجرة بالمخدرات، وسبق قبلها للولايات المتحدة التدخل في شؤون دول أمريكا الجنوبية عبر الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس التشيلي سلفادور الليندي (1908-1973)، وتولى الحكم الديكتاتور أوغستو بينوشيه (1915-2006)، إضافة إلى التدخل في نيكاراغوا ضد نظام الساندنيستا، ودعم مقاتلي الكونترا الذين موّلت وكالة المخابرات الأمريكية (C.I.A) حربهم بالمتاجرة بالمخدرات كما يوضح ذلك فيلم (Kill The Messenger) -إنتاج 2014- الذي يروي قصة الصحفي الاستقصائي الأمريكي غاري ويب (1955-2004) الحائز على جائزة بوليتزر للصحافة عام 1996، والذي عُثِر عليه ميتًا في شقته عام 2004. بعد النجاح الذي حققه عبر مقالاته المعنونة «بالتحالف المظلم» والتي ينشرها في مجلة (ميركوري نيوز)، إذ كشف عبر الصحافة الاستقصائية عن دور المخابرات الأمريكية في تجارة الكوكايين وتوزيعها في أحياء السود في لوس أنجلوس، أثناء حكم الرئيس رولاند ريغان (1911-2004) لتمويل حرب الكونترا، والتي فضحت أيضا دور الولايات المتحدة في الحرب الإيرانية العراقية، أو ما سُمّي بـ«إيران جيت» حين باعت واشنطن صواريخ للجانب الإيراني.
أما فيما يتعلق بالأنظمة والقوانين الدولية التي تفرضها الولايات المتحدة على الدول والأنظمة التي لا تستجيب لإملاءاتها، فإن أمريكا هي أكثر الدول خرقا وانتهاكا للشُرعة الدولية، بل ويستخدم سياسيوها التضليل والكذب والخداع كما فعل وزير الخارجية كولن باول (1937-2021) حينما عرض أمام العالم عيّنة يقول إنها دليل على امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، وعلى إثر ذلك تم غزو العراق عام 2003 وتم تدمير البلد وإزهاق أرواح الأبرياء ناهيك عن الجرائم التي ارتكبها الجيش الأمريكي في سجن أبو غريب، وكشفها للعالم الصحفي الأمريكي سيمور هيرش (89 عاما).
تتخلى الولايات المتحدة عن دورها إزاء القوانين والتشريعات، وكأنها فوق القانون، وتنسحب من الاتفاقيات التي تحد من تغولها وسطوتها، مثل انسحابها من اتفاقية 1972م للحد من الصواريخ البالستية، ومن بروتوكول ميثاق الأسلحة البيولوجية الذي قال عنه مستشار الأمن القومي جون بولتون (77 عاما) «إن البروتوكول قد مات». كما تعارض الولايات المتحدة اتفاقية الأمم المتحدة للحد من تداول الأسلحة الصغيرة في العالم لأنها تهدد مصالحها التجارية. وترفض باستمرار اتفاقية حظر التجارب النووية، وكذلك اتفاقية الألغام الأرضية عام 1997م؛ بحجة حماية كوريا الجنوبية من جارتها الشمالية، كما عارضت اتفاقية حظر استخدام وإنتاج الألغام والقنابل المضادة للأشخاص. وفي مطلع هذا القرن رفضت الكثير من المعاهدات منها بروتوكول كيوتو للحد من الانبعاثات الحرارية، والخطة الدولية المتعلقة بضمان مصادر نظيفة للبيئة. كما عارضت مشروع (جاليلو) الأوروبي حماية لمنظومتها الخاصة بالمراقبة الجوية، ورفضت المشاركة في مؤتمر باريس الخاص بمكافحة غسل الأموال والتهرب الضريبي. أما بالنسبة لعلاقة الولايات المتحدة بالمنظمة الدولية للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) فتشهدت شدا وجذبا بل وانسحابا وانضماما منذ 1984، حين انسحبت وواشنطن، ثم انضمامها، ثم انسحابها عام 2018، ثم الانسحاب النهائي في يوليو 2025.
هذا غيض من فيض ثقافة رجل (اليانكي) الذي يفصّل القوانين حسب مصالحه ومنافعه، ولا يكترث لأمر الآخرين، إلا إن كانوا من جوقة العازفين على لحن النظام الدولي الجديد وتقاسم ثروات الشعوب، أو الخانعين والخاضعين لحكام البيت الأبيض.
أما من شق عصا الطاعة فمصيره سيكون الاعتقال والاستيلاء على موارد وطنه الطبيعية، وهذا ما حصل للرئيس المنتخب مادورو.
لن تتوقف البلطجة الأمريكية ما لم يتغير النظام العالمي الحالي الذي يُدار من واشنطن، والذي يمنح أمريكا الحكم المُطلق وفرض شريعة الغاب على الآخرين.
